دروس حرب غزة

00:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

نشوة كاذبة عاشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقادة الفصائل، عقب وضع الحرب أوزارها، وبعد أن آتت الجهود المصرية المدعومة بإرادة عربية ودولية أُكُلَها، وبدء سريان الهدنة التي أوقفت آلات القتل والرعب والتدمير والتخريب أفعالها، نشوة دفعت كلاً منهما لإعلان انتصاره في حرب الأحد عشر يوماً، فخرج نتنياهو على الإسرائيليين مزهواً بنفسه وسعيداً بالتخريب والقتل الذي أسفر عنه قصف طيرانه لغزة، زاعماً أن الحرب «غيّرت المعادلة وحققت إنجازات غير مألوفة»، وهو يقصد بالإنجازات غير المألوفة قتل الأبرياء من الأطفال والنساء وكبار السن والمدنيين وهدم المنازل وتدمير الأبراج.

 في المقابل أعلنت الفصائل الانتصار، وشكرت الداعمين بالسلاح والمال، ويبدو أن سقوط ٢٤٣ فلسطينياً وإصابة ١٩١٠، وتدمير ٩ أبراج وألف وحدة سكنية وإلحاق أضرار بما يزيد على ١٦ ألف وحدة أخرى، هي تعريف الانتصار الذي حققته الصواريخ التي أطلقت على المدن والمستوطنات الإسرائيلية. 

 الحقيقة أن نتنياهو خسر، والفصائل لم تنتصر، فالمكاسب السياسية التي كانت مبتغاة من الطرفين لم تتحقق، ولن تمهد الحرب طريق نتنياهو إلى رئاسة مجلس الوزراء من جديد، ولن تحميه من محاكمة منتظرة بتهمة الفساد، ومن لم يستوعب أن هذه الحرب وسابقاتها لم ولن تزعزع يقين الفلسطيني وتدفعه للتخلي عن أرضه، بل تفرض على الجميع اليقين بالعمل من أجل تحقيق التعايش المشترك، وأن السلام الشامل والعادل هو السبيل لأمن وأمان الجميع. 

 قد تكون القضية الفلسطينية هي الرابح الوحيد في هذه الحرب التي أعادتها إلى بؤرة الاهتمام العالمي، وهي التي جددت التعاطف الدولي مع الفلسطينيين، وكشفت للعالم طيش ورعونة وبطش الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تضرب في أي مكان بلا وعي ولا احترام لكبير ولا تقدير لامرأة ولا تعاطف مع صغير، ولعل هذا هو الذي دفع المتعاطفين مع الفلسطيني البريء الأعزل للتظاهر تضامناً معه في عواصم مختلفة حول العالم، وهي التي دفعت أكثر من 500 عضو من حملة بايدن وموظفين في الحزب الديمقراطي للتوقيع على رسالة تدعو بايدن لبذل «المزيد في حماية حقوق الفلسطينيين ومحاسبة إسرائيل على عدد القتلى غير المتكافئ». 

 حرب غزة جددت إحياء حل الدولتين الذي سعت إدارة دونالد ترامب لطمسه، رغم أنه الأمل الأوحد لتحقيق التعايش السلمي المنشود، وبعثت الحرب للعالم رسالة أن لا استقرار في المنطقة سوى بدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وهو ما بدأ البحث فيه، ونتمنى أن ندرك مما مضى أن المفاوضات العبثية التي تسرق الوقت بلا نتائج، والتي كانت نهجاً في الماضي، لن تصلح للمستقبل، وأن محاولات دفن حل الدولتين ليست سوى محاولات لإشعال وتفجير المنطقة. 

 الدروس المستفادة من حرب غزة كثيرة، وأهمها أنه قد آن الأوان لإنهاء الانقسام الفلسطيني، وأن العبث بالوحدة الفلسطينية سواء بإرادة خارجية أو داخلية، هو عبث بالقضية وبالتاريخ وبالجغرافيا، ولعل العالم قد أدرك ذلك وبدأ يتحدث عن حكومة فلسطينية موحدة، وعن تحويل أموال المساعدات لغزة عبر رام الله، وأن الطريق إلى دولة فلسطينية لا بد أن يمر عبر رام الله ولا يتجاهل غزة. 

 لا ينبغي نسيان أن هذه الحرب هي التي كشفت عن قدرات مصر كدولة محورية مؤثرة ومدعومة من دول عربية فاعلة في إطفاء حرائق المنطقة، فمصر العربية الكبيرة عادت وأثبتت أنها تملك مفاتيح استقرار المنطقة، بعد أن نجحت في فرض هدنة دائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بلا شروط، وهي التي تقود مساعي إعمار غزة، وهي الشريك الأساسي مع الولايات المتحدة والقوى الدولية الفاعلة في خلق السلام وحمايته لأجل استقرار المنطقة والعالم. 

 الدروس المستفادة من هذه الحرب عديدة، ونتمنى أن تصب في صالح القضية الفلسطينية وحل الدولتين واستقرار المنطقة، ولكن المؤكد أن الرابح ليس نتنياهو.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"