ما يشبه الاعتذار للقارة السمراء

00:07 صباحا
قراءة 3 دقائق

سليمان جودة

دون اتفاق مسبق تبدو العاصمة الفرنسية باريس هذه الأيام، وكأنها على موعد مع العاصمة الألمانية برلين، للاعتراف بما كان منهما ذات يوم بحق إفريقيا.

كان ذلك في الأسبوع الأخير من مايو/أيار الماضي، عندما طار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى رواندا، وهناك ومن أمام النصب التذكاري لضحايا مذابح التسعينات، وقف ماكرون ليقول إن بلاده تقر بمسؤولية لها فيما حدث، على الرغم من أنها لم تكن مشاركة في ذلك الذي حدث، ولا كانت بالطبع متواطئة فيه. 

وما حدث هو أن حرباً داخلية قامت في رواندا عام 1994 بين قبائل الهوتو والتوتسي، وكانت حصيلة المجازر بينهما 800 ألف ضحية، تم دفن 250 ألفاً منهم بجوار النصب التذكاري الذي تكلم من أمامه الرئيس الفرنسي بحضور الرئيس الرواندي. 

في وقت وقوع المجازر كانت فرنسا تحتفظ بقوات لها في رواندا، وكانت تلك القوات قادرة على التدخل لمنع ما جرى، ولكنها لم تفعل ووقفت تتفرج تقريباً، وهذا ما جعل ماكرون يعترف بمسؤولية بلاده. وقد علق رئيس رواندا على اعتراف الرئيس الفرنسي، فقال ما معناه، إن ما قيل على الرغم من أنه ليس اعتذاراً صريحاً، فإنه في النهاية يكفي لأنه يمثل اعتذاراً أو ما يشبه الاعتذار. 

وسواء كان حديث ماكرون اعتذاراً أو شبه اعتذار، فهو في النهاية نوع من ممارسة المسؤولية التي يجب ألا تغيب في مسار العلاقات بين الدول، خصوصاً إذا كان الأمر يتصل بمجازر وقعت وأخذت في طريقها ما يقرب من مليون إنسان. قد يقول بعضنا إن هذه مسؤولية يمارسها صاحبها في حالة ماكرون بأثر رجعي، وإنها لن تعيد ضحية واحدة من الضحايا المليون إلى الحياه، وهذا بالطبع صحيح، ولكن الأهم فيه هو إقرار دولة بحجم فرنسا، بما كان منها يوماً بحق دولة من دول القارة السمراء. 

وبالتوازي مع باريس وفي الأسبوع نفسه، كانت الحكومة في برلين تعترف بمسؤوليتها عن وقوع إبادة جماعية بحق قبيلتين من قبائل ناميبيا مطلع القرن العشرين هما الهريرو والناما. 

وستكتشف وأنت تقرأ التقارير الصحفية المنشورة عن الموضوع، أن مفاوضات جرت بين الحكومتين الألمانية والناميبية استمرت خمس سنوات، وأنهما توصلتا في النهاية إلى ضرورة اعتراف ألمانيا بما كان منها بحق أبناء القبيلتين، وأن هايكو ماس، وزير الخارجية الألماني، سيصل إلى ناميبيا خلال أيام لتوقيع الاتفاق، وأن الرئيس الألماني فرانك شتاينماير ربما يزورها بعد الوزير. 

الاتفاق ينص على تعويض من ألمانيا عما حدث، ولكنه لن يكون تعويضاً نقدياً مدفوعاً إلى الذين تضرروا من الإبادة التي وقعت، وإنما سيكون في هيئة استثمارات تضخها الحكومة الألمانية في المناطق التي تعيش فيها القبيلتان، مقدارها مليار ومئة مليون يورو على مدار 30 سنة. 

هذا طبعاً اعتذار ألماني عن الماضي الاستعماري بحق قبيلتين كبيرتين من بين قبائل إحدى دول القارة الإفريقية. وإذا لم يكن اعتذاراً صريحاً فهو يشبه الاعتذار. وفي الحالتين الفرنسية والألمانية، هناك نوع من صحوة على المستوى الإنساني، لا تجد الحكومتان في باريس وبرلين حرجاً في إعلانه على الملأ أمام العالم. 

وقد كنا  إلى سنوات قريبة مضت  نسمع عن إعادة اكتشاف إفريقيا استثمارياً على يد أكثر من حكومة في العالم، وبالذات الحكومات الصينية والروسية والأمريكية، ولكننا  في ما بادرت به الحكومتان الفرنسية والألمانية  نجد أنفسنا أمام كشف لا اكتشاف.. إنه كشف عما كان ذات يوم من ممارسات غير إنسانيه لا بديل عن الاعتذار عنها أو الاعتراف بها في أقل القليل.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3epj8wa