الهاجس الصيني في رهانات بايدن

00:30 صباحا
قراءة 4 دقائق

عبدالله السناوي

بحقائق القوة ومتغيرات العصور لم يعد ممكناً إعادة إنتاج النظام العالمي المتهالك. لا الولايات المتحدة القوة العظمى المهيمنة، ولا روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي القوة العظمى الثانية، على ما كانت عليه الأحوال بعد الحرب العالمية الثانية.

هذا عالم انقضى بمقوماته وركائزه وتوازناته منذ مطلع تسعينات القرن الماضي عند نهاية الحرب الباردة، ولا سبيل إلى استعادته، كما لا سبيل إلى استعادة انفراد الولايات المتحدة بالقوة والنفوذ الذي أعقب تفكك الاتحاد السوفييتي، وسقوط المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، وتحلل حلف «وارسو»، الذي كان يوازن في تلك الحقبة حلف «الناتو».

استعادة مصطلحات النظام العالمي المتهالك، خروج عن الموضوع وتمسك في غير محله بأهداب الماضي.

بدا لافتاً إصباغ الرئيس الأمريكي جو بايدن، صفة «حوار القوتين العظميين» على القمة التي جمعته في جنيف مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. في خلفية مشاهد القمة المثيرة بتوقيتها وأجوائها، كما في لقاءات بايدن الأخرى مع الحلفاء الأوروبيين، حسابات وتفاعلات توشك أن تعلن نظاماً عالمياً جديداً من تحت أنقاض جائحة «كورونا».

كانت الصين الغائب الحاضر في صلب جولة بايدن الأوروبية، لا موجودة في المكان ولا مستبعدة من الحوارات باختلاف طبيعتها الاقتصادية في قمة «السبع الكبار»، والعسكرية في مداولات «الناتو»، والاستراتيجية في لقاءاته مع الحلفاء الأوروبيين.

بدت الصين هاجساً مخيماً على كل تلك الاجتماعات والقمم، بما فيها القمة الأمريكية الروسية. حاولت جولة بايدن أن تستكشف فرص بلاده لاستعادة مكانتها الدولية التي تضررت بقسوة، في سنوات سلفه دونالد ترامب. وحاولت بالقدر نفسه قطع الطريق على الصين من أن تتقدم لمنصة القوة الاقتصادية العظمى الأولى في غضون سنوات قليلة. كان ذلك هاجساً معلناً على لسان أمين عام حلف «الناتو». هكذا كانت الصين جوهر القمة الأمريكية الروسية دون تطرق إلى اسمها.

لم تكن القمة «تاريخية»، ولا ترتبت عليها تحولات «استراتيجية» يعتد بها في المعادلات الدولية، لكنها لم تكن اعتيادية.

جرت أحاديث عامة عن دور البلدين في ما أسمياه «الاستقرار الاستراتيجي» وإعادة الالتزام بالحد من التسلح النووي وفق اتفاقية «ستارت»، كما جرت مناكفات حول الملفين الأوكراني والسوري دون أدنى اختراق.

بما هو ملموس وعملي تلخصت نتائج القمة في إعادة فتح قنوات الاتصال الدبلوماسية الرسمية بين البلدين بعودة السفيرين، وإزاحة الجليد بين الرجلين بعدما وصف بايدن، بوتين بأنه «قاتل» فرد عليه متمنياً له الصحة كأنه يريد أن يقول: «هذا رجل مخرف»!

بتلخيص بايدن لأهم ما جرى في القمة أن «بوتين لا يريد حرباً باردة جديدة». كان ذلك تعسفاً مع الحقائق الماثلة في تفاعلات النظام العالمي الذي يكاد أن يولد، فالحرب الباردة بنت عصرها وتوازناتها وانقسام العالم إلى معسكرين كبيرين يقفان على نقيض، سياسياً وأيديولوجياً واقتصادياً وعسكرياً.

لا بوتين بوسعه أن يريد ولا بايدن بمقدوره أن يمنع، فهناك حقائق قوة تفرض كلمتها الأخيرة. كان ذلك ما تبدى على سطح القمة، فيما كان المسكوت عنه أكثر أهمية وخطورة. إنه «الهاجس الصيني».

في مقاربته الروسية مضى بايدن على خطين متوازيين، بإبداء نوع من التشدد دون تصعيد في لغة الخطاب المتفلّت، هو نفسه لا يريد حرباً باردة جديدة، إذا كان للخيارات الشخصية دور في تقرير مثل هذه الأمور.

بعض أسباب التشدد تعود إلى المساجلات الداخلية الأمريكية التي تتهم بوتين بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التي صعدت بترامب إلى البيت الأبيض عام 2016 بالحروب السيبرانية وغيرها.

وبعض أسباب انضباط الخطاب تعود إلى محاولة «فرملة» أي تقدم محتمل في مستوى التحالف الصيني الروسي. البحث عن استعادة المكانة الأمريكية جوهر جولة بايدن. نقطة البدء: ترميم التحالف الغربي الذي تعرض لشروخ عميقة في حقبة ترامب، وإعادة رد اعتبار «حلف الناتو»؛ الجناح العسكري لهذا التحالف.

بصياغة أخرى: تجييش الغرب الأوروبي وراء القيادة الأمريكية على النحو الذي كان جارياً في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحييد القطب الروسي بقدر ما هو ممكن ومتاح عن التنازع المقبل على زعامة النظام العالمي الذي يوشك أن يولد.

هناك نوع من التقبل الأوروبي لعودة القيادة الأمريكية، غير أن الأسئلة الكبرى تطرح نفسها عن طبيعة العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية في ظل الحقائق الجديدة، وعن مفهوم الأمن الجماعي في عصور متغيرة، وإذا كان من الأجدى البحث عن منظومة أمنية أوروبية بعيداً عن الولايات المتحدة.

الأوروبيون ليسوا على استعداد لتبني الأجندة الأمريكية بكامل تفاصيلها، يدركون خطر التمدد الصيني على اقتصاداتهم، لكنهم يلمسون فوائد العلاقات معها.

بحسابات المصالح يصعب تصور أن يلتفّ الغرب الأوروبي حول الولايات المتحدة في أية معركة مفتوحة مع التنين الصيني. هناك مصالح متعارضة يصعب تجاهلها وتباينات لا يمكن القفز فوقها.

ثم إن المخطط العام الذي طرحه بايدن على الحلفاء الأوروبيين لحصار النفوذ الصيني، يحتاج إلى تمويل اقتصادي ومالي يكاد يستحيل الوفاء به.

لا يعني ذلك كله أن الطرق سالكة أمام الصين لتصدر النظام العالمي الجديد في أي مدى منظور. هناك اعتبارات أخرى، إضافة إلى القوتين الاقتصادية والعسكرية، أهمها القوة المعنوية التي تعوز الصين بقسوة في إعلامها ومستويات الحريات العامة فيها.

إذا ما تمكنت الصين من ترميم الفجوة بين قوتيها المادية والمعنوية، فإنها باليقين، القوة العظمى الأولى في القرن الحادي والعشرين.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"