رهان السيادة الرقمية في الشرق الأوسط

01:08 صباحا
قراءة 3 دقائق

تواجه الدول العربية ومعها مختلف القوى الإقليمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تحديات جدية تتعلق بالمحافظة على السيادة في مجالات التكنولوجيات الحديثة التي باتت تفرضها الثورة الرقمية على الدول الوطنية وتدفعها إلى اعتماد منهجيات ومقاربات جديدة من أجل حماية أمنها القومي من الأخطار غير التقليدية التي يمثلها الواقع السيبراني الذي استطاع أن يغير كل مفاهيمنا بشأن الزمان والمكان والمحيط الجيوسياسي للدول وأن يجعل الحدود الجغرافية تبدو في غاية الهشاشة وقابلة للاختراق من قبل فاعلين افتراضيين يصعب تحديد هوياتهم والتعرف إلى القوى أو الدول التي تدعمهم وتوفر لهم الملاذ الآمن.
ويمكن القول إن مفهوم السيادة الرقمية، الذي أضحى يشكل جزءاً مهماً من النقاش العام في معظم المجتمعات خلال السنوات القليلة الماضية، يفرض نفسه على كل القوى الكبرى في العالم وليس على دول الشرق الأوسط فقط، ويتضح ذلك من خلال الإجراءات المختلفة التي تتخذها تلك القوى للدفاع عن سيادتها؛ حيث تعمل الصين على فرض رقابة شديدة على الفضاء السيبراني وتحجُب العديد من المواقع والمنصات والتطبيقات الغربية التي ترى أنها تُستخدم لأغراض التجسس، وتعمل موسكو من خلال شركاتها التقنية في القطاعين العام والخاص، وبإسناد مباشر من أجهزتها الأمنية، على تحقيق مستوى متقدم من السيادة الرقمية؛ وحتى واشنطن، صاحبة أكبر شركات التقنية في العالم، تشكو هي الأخرى من الهجمات السيبرانية إلى الحد الذي جعل رئيسها السابق ترامب يدعو إلى التخلي عن خيار الإنترنيت المفتوح.
 وقد بدأ الوعي بأهمية الأمن والسيادة في المجال الرقمي، يتبلور في منطقة الشرق الأوسط بعد انطلاق ما سمي «الربيع العربي»، والتي جعلت دول المنطقة تقتنع بأن هناك من يتدخل في مسار الأحداث من خلال التحكّم في المعلومة ويعمل على نشر الإشاعة للتأثير في النقاشات التي كانت تجري في منصات التواصل الاجتماعي؛ كما اكتشفت هذه الدول أن معظمها دخل الفضاء السيبراني المفتوح دون أن يمتلك القدرات والكفاءات التي تسمح لها بالتصدي للاختراقات التي تقوم بها القوى الأجنبية لأمنها وسيادتها الرقمية.
 وعلاوة على ذلك، فإن منصات التواصل الاجتماعي تطرح صعوبات كبرى تتعلق بإمكانية وأساليب تنظيم عملها ووضع ضوابط لها، حتى لا يتحول النقاش في منصاتها إلى أداة يمكنها أن تهدد الوحدة الترابية واستقرار النسيج المجتمعي للدول؛ وبخاصة أن الحرص على السير العقلاني والمتزن لهذه المنصات يشكل أولوية قصوى حتى بالنسبة للقوى الكبرى التي تضطر في العديد من المناسبات إلى التدخل في عملها لتجنب تحوّلها إلى أداة لزرع الفوضى داخل المجتمع كما حدث عندما قامت منصة «تويتر» بغلق حساب الرئيس ترامب.
 وتسعى دول المنطقة في هذه المرحلة إلى رسم حدودها الرقمية لتكون متساوية مع حدودها الجغرافية أسوة بما تطالب به وتسعى إلى تحقيقه الدول الأوروبية في مواجهة العملاقين الأمريكي والصيني، وذلك من أجل حماية أمن المؤسسات والشركات الاقتصادية التي تتعرض لتهديدات سيبرانية عديدة، إضافة إلى حماية الخصوصية والبيانات الخاصة بالأفراد التي أصبحت عرضة للتهديد من قبل قراصنة الإنترنيت، لاسيما أن الخبراء يذهبون إلى أن هذه التهديدات ستتضاعف في المستقبل القريب مع انتشار تقنية الجيل الخامس.
 وتكمن المشكلة الكبرى التي تواجهها الدول في عدم قدرتها على فرض ضوابط وقيود على الشركات الكبرى المسيّرة للمنصات الرقمية التي تسعى إلى فرض أجندتها على الدول وتعمل في المقابل على وضع قيود غير ديمقراطية ومنافية لمبادئ حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بمصالح أمريكا أو حلفائها وتلجأ إلى الغلق المؤقت وأحياناً الدائم للآلاف من حسابات مستخدميها، كما تقوم أيضاً بمنع تداول الأخبار التي تنشر في بعض وسائل الإعلام الروسية والصينية.
 وعليه فإنه إذا كانت بعض الدول العربية مثل الإمارات التي أكدت التزامها بإنشاء البنية التحتية والآليات اللازمة لتعزيز قدراتها في الأمن السيبراني وتعزيز سيادتها الرقمية، إلا أن معظم دول المنطقة ما زالت تشهد استباحة مقلقة لأمنها وسيادتها الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي أضحت تنشر محتويات تحض على الفوضى وتؤثر بشكل سلبي في وحدة وتماسك النسيج المجتمعي للكيانات الوطنية.

[email protected]

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"