في مجتمعنا اليوم تغيرات ملحوظة في السلوك وظواهر حديثة ربما لم تحدث من قبل، هي نتاج لما يحدث في العالم بأسره من تغيرات إثر وسائل التواصل، وما يرتبط بها من انعكاس طال السلوكيات، ودفع بالبعض للإتيان بتصرفات غير مقبولة، من أجل توثيقها طلباً لزيادة المتابعين أو تحقيق أرقام أعلى في سجل المشاهدات. تلك الظواهر يمكن رؤيتها وملاحظتها بسهولة لدى تصفح تلك البرامج التي تحفل بالجديد والغريب للصغار والكبار على حد سواء.
وعلى صعيد آخر، فإن التعامل مع تلك التطورات يجب أن يكون بعيداً عن الطريقة التقليدية؛ لأنه ثبت أنها لم تعد كافية ولا مجدية في العقاب أو تشكيل صدمة لمن يقترف تلك الأفعال، كي تعيده للدرب السليم، خاصة أن المجتمع يتعرض حالياً لصدمة مما يراه، ومنه على سبيل المثال، مشهد العبث بدورة مياه عامة دون اكتراث بحقوق الآخرين في استخدامها والاستفادة منها، وتسجيل ذلك العبث ونشره في وسائل التواصل مما يضاعف الخطأ والمسؤولية، وأيضاً العقاب الذي يجب أن يقرر بحق مقترف هذا الفعل وغيره من أفعال أخرى تتكرر وتتنوع كل يوم.
في التعاطي مع المراهقين والشباب، ثمة أساليب يتم تطبيقها حالياً أثبتت جدواها، حيث تسعى بعض الجهات القائمة على معالجة هذه الإشكالات بعد ضبط مرتكبيها، إلى إحداث تغيير جذري في سلوكيات المتهمين بتقويمهم نفسياً وفكرياً، بحيث يكون إنفاذ تلك التدابير يشكّل رادعاً لهم ولغيرهم عند ارتكاب هذه الممارسات الخطرة على أبناء الدولة والمقيمين على أرضها الطيبة؛ بل يحد من هذه الظواهر السلبية القائمة على التقليد الأعمى، وبالتالي، فإن العقاب يجب أن يشكل صدمة إيجابية تُعيدهم إلى صوابهم وتوثر في نظرتهم للمستقبل، بمعرفة وتقدير حجم الضرر الذي تسببوا فيه والعمل على معالجته.
العقوبات المجتمعية تستهدف معالجة الجانب التربوي والسلوكي، وتحقق الردع المطلوب، كما تحقق الاستفادة القصوى من طاقات الشباب وتوظيفها إيجابياً، خاصة إذا تعدت موضوع التنظيف والأعمال البسيطة إلى الخدمة الحقيقية للمجتمع، التي قد تستمر فترة أطول وتشمل مجالات عملية حقيقية يستفيد منها المجتمع، وقبله الشخص الذي ينفذها وتشكل بالنسبة له إدراكاً يُعينه على فهم المجريات من حوله.
نتفق جميعاً على أن هدف العقوبة هو إحداث تغييرات مهمة في سلوك المعاقب، وتهذيب دوافعه، ومعالجة الخلل الذي تسبب في الفعل الذي ارتكبه، وبالتالي، فإن الخدمة المجتمعية أكثر جدوى من السجن، لكن بشكل أعمق وأطول، وهو ما نتمنى أن نصل إليه في القريب العاجل.