عادي

الهذيان.. تغييرات عصبية مؤقتة في الدماغ

20:28 مساء
قراءة 5 دقائق

يتسم الإنسان بجانب عضوي وآخر وجداني، والثاني يتضمن الوجدان والشعور والإدراك، وعندما يصاب الشخص ببعض الاضطرابات فإنها تؤثر في هذا الجانب، ومنها ما يعرف بالهذيان.

ترجع الإصابة بالهذيان عندما يتأثر الدماغ إلى الحد الذي يصل بالمصاب للتشوش الذهني، وبالتالي فإنه يعاني صعوبات في التذكر والتفكير واضطراب الشعور والوجدان.

يصنف الأطباء هذه الحالة على أنها تغييرات عصبية مؤقتة تحدث داخل الدماغ، وتسبب شعوراً بالحيرة والارتباك وخللاً في المشاعر.

يجب الانتباه إلى أن هناك فرقاً بين الخرف والذهان والهذيان، فالأول تدهور تدريجي في القدرات الإدراكية نتيجة ضعف الخلايا الدماغية أو إصابته بالتلف، وفي الغالب فإنه يحدث مع مرض الزهايمر في المسنين بالذات.

يتسم الثاني - وهو اضطراب عقلي - بانفصال المصاب عن الواقع وعيشه في عالم مليء بالضلالات والأوهام، مع وجود بعض الهلاوس الحسية والسمعية والبصرية.

عالٍ وقليل النشاط

تختلف أنواع الهذيان باختلاف الأعراض التي يشعر بها المريض، فهناك الهذيان عالي النشاط، ويمكن تشخيصه بسهولة.

يتسم المريض بهذا النوع بالارتباك الشديد والتقلبات المزاجية الحادة، مع فرط في اليقظة، والهلاوس الحسية والسمعية والبصرية، ورفض الالتزام بالرعاية والإرشادات الطبية.

يعرف النوع الثاني بالهذيان قليل النشاط أو السلبي، ويتسم فيه المريض ببطء وصعوبة الحركة، والخمول وبلادة ردود الأفعال، ويصاب بفرط النعاس، وربما بدا أنه في حالة من الذهول، ويمكن أن يعاني بعض المرضى من أعراض النوعين السابقين فيما يعرف بالهذيان المختلط.

يحدث النوع الثالث - وهو الهذيان الارتعاشي - مع مدمني الكحوليات، عندما يتوقفون عن التعاطي، حيث يصاب الكثير منهم بالهذيان المصاحب بارتعاش الأطراف.

أمراض وأدوية

ترجع الإصابة بمشكلة الهذيان إلى عدد من الأسباب والأمراض، والتي ربما حفزت الإصابة بهذه الحالة، ومنها الإصابة بإنتان الدم والحمى الصفراء والتيفؤيد، وفي بعض الأحيان يكون السبب وجود أحد أنواع العدوى والالتهابات الشديدة في الجسم، كالالتهابات الرئوية البكتيرية.

يؤدي كذلك للإصابة بها انسحاب الكحول من الجسم في فترة الانقطاع بعد تناوله لسنوات، أو بسبب تناول مواد سامة معينة، والتي ربما أثرت في توازن الناقلات العصبية.

يمكن أن يكون سبب الإصابة تناول بعض العقاقير، كأدوية ضغط الدم، أو عند الإصابة بمرض يحدث خللاً في وظائف الدماغ، أو نقصاً في كمية الأكسجين التي تصل للمخ، مثل الأزمات القلبية والجلطات الدماغية، وأمراض الكبد المتأخرة.

عوامل خطر

تؤدي بعض الأمور إلى زيادة خطر الإصابة بالهذيان، ومن ذلك الإصابة بأمراض الشيخوخة، وبصورة خاصة من تجاوزوا عمر 65 عامًا.

تشمل هذه العوامل الخلل في الوعي في الفترة الزمنية القصيرة التي تلي العملية الجراحية، وأيضاً تعرض الفرد لضغوط نفسية وعصبية كبيرة.

تعد الإصابة بالجفاف ونقص السوائل، واتباع حمية غذائية سيئة، وكذا عدم الحصول على قدر كاف من النوم، وتناول مسكنات الألم والأدوية المنومة من عوامل الخطر.

ضرر الدماغ

يرى الأطباء أن معدل الإصابة بالهذيان يكون مرتفعاً في الحالات التي تخضع للعلاج من إدمان المخدرات، والمرضى الذين سبق وتعرضوا لحالات ألحقت الضرر بأدمغتهم، كالسكتة الدماغية، والخرف.

يزيد خطر الإصابة أيضا لدى من يعانون ضعف السمع أو الرؤية، وكذا ضعف الصحة العامة، بسبب الأمراض المزمنة كمرض السكري أو الضغط.

يرتبط الهذيان بشكل كبير بالمكوث لمدة طويلة في وحدات العناية المركزة، ولذلك فمرضى العناية عرضة للإصابة بهذه الحالة أعلى من غيرهم.

الانتباه والتفكير

يعد من أبرز أعراض الإصابة بالهذيان الخلل في قدرة المصاب على الانتباه والتفكير، وعدم التصرف عن وعي، ويصبح تفكيره وكلامه عشوائياً وغير منتظم.

يعاني من الارتباك وانعدام القدرة على تمييز الزمان والمكان، ويصبح لديه اختلاف في المشاعر والأحاسيس، ومستوى الوعي.

يصاب كذلك بخلل في الذاكرة قصيرة المدى، وهو ما يترتب عليه عدم تذكر المصاب الأحداث التي حصلت في له الماضي.

يشكو من تغييرات حادة في أنماط اليقظة والنوم، مع تغيرات ملحوظة في الحركة، كبطء في حركات الجسم، وحركات لا إرادية نتيجة بعض التغيرات في الجهاز العصبي.

يلاحظ على المصاب تغييرات ملحوظة في الشخصية، مع ظهور صفات جديدة لم تكن موجودة من قبل، وعلى سبيل المثال الغضب والقلق والاكتئاب والتحسس من أي شيء.

تبدأ بدقائق

تعتمد مدة استمرار الهذيان على صحة المصاب الجسدية والنفسية العامة، وفي الغالب فإنها تتراوح ما بين دقائق وحتى أسابيع وربما شهور.

أشارت الإحصائيات التي أجريت حول الإصابة بالهذيان أن ثلث المرضى البالغ أعمارهم أكثر من سبعين عاما ويقيمون داخل المستشفيات يصابون بالهذيان.

ويصاب ما يتراوح بين 15% إلى 25% من كبار السن بالهذيان عقب خضوعهم لعمليات جراحية، وترتفع هذه النسبة حتى تصل إلى النصف بعد العمليات الجراحية الكبرى، مثل عمليات القلب المفتوح أو عمليات العظام.

يمكن أن يسبب الهذيان بعض المضاعفات، وبخاصة في حالة وجود أمراض مزمنة، ومنها مثلاً عدم القدرة على التعافي السريع بعد العمليات الجراحية.

تشمل المضاعفات زيادة ضعف الحالة الجسدية، وزيادة حاجة المصاب إلى العناية الطبية المكثفة، وفي بعض الحالات تصل للوفاة.

مراقبة الطبيب

يعتمد تشخيص المصاب بالهذيان على خضوعه للمراقبة من قبل الطبيب، ومن ثم إجراء مجموعة من الفحوص، والإطلاع على التاريخ المرضي الكامل له، لتحديد سبب وأصل المشكلة.

يمكن أن يستخدم بعض الأطباء مقياساً لدرجات الوعي والإدراك، وذلك بهدف مساعدتهم على ملاحظة مقدار فهمه لكلام الآخرين واستيعابه لما يدور حوله.

يرصد كذلك قيامه ببعض السلوكيات الغريبة غير المفهومة، خاصة بعد الخروج من العمليات الجراحية، أو المكوث لمدة طويلة في المستشفى، وأخيراً في حالة لو كان يبدو مشتتاً في كلامه أو في تصرفاته.

يبدأ علاج الهذيان بتحديد سبب الإصابة، وربما احتاج العلاج تناول أو إيقاف بعض الأدوية، وبالنسبة للمسنين فإن التشخيص الدقيق يكون مهماً للعلاج، وذلك بسبب تشابه أعراض الذهان والخرف، إلا أن العلاجات مختلفة تماماً.

المضادات الحيوية

يكون العلاج بالمضادات الحيوية لو كان سبب الإصابة وجود عدوى بكتيرية شديدة في الجسم، ويتم وصف مضادات الاكتئاب والمهدئات، لو كان سبب الهذيان الإصابة الاكتئاب.

يصف الطبيب أدوية تعالج الحالة التي كانت سبب في هذا المرض، كما يمكن أن يوصي بالإقلاع عن شرب الكحول في حال وجوده، أو التوقف عن تناول بعض الأدوية.

يساعد في علاج هذه الحالة الامتناع عن تعاطي المخدرات، بالنسبة لمن أصيبوا بها نتيجة هذا الأمر، ويساعد طلب الاستشارة في ذلك، والهدف جعل المصاب يشعر بالراحة أكثر والطمأنينة.

يعد أفضل طرق الوقاية من الهذيان تجنب الأسباب التي تتسبب فيه، والابتعاد عن عوامل الخطر التي تزيد من فرصة الإصابة به، ويفضل كذلك ممارسة الرياضة بصورة مستمرة مع الحفاظ على قدر ثابت من عدد ساعات النوم يومياً.

المتعافون من «كورونا»

عانى بعض المتعافين من فيروس كورونا العديد من المضاعفات العصبية، وذلك عقب خروجهم من مستشفيات العزل، وكان أبرز هذه المضاعفات الهذيان.

كان هذا ما توصل إليه مؤخراً فريق بحثي، حيث أكدوا أن أكثر من 70% من المرضى الذين احتاجوا للاستشفاء في وحدة العناية المركزة كان أحد المضاعفات الأكثر شيوعاً لديهم هو الهذيان.

ذكروا أن هذا يحدث في العادة لأن الفيروس يهاجم الجهاز العصبي المركزي، وما يرتبط به من استجابات التهابية تسبب تلفاً في الإدراك.

يعتقد القائمون على الدراسة أن العوامل التي تساهم في هذا الأمر من ضمنها استخدام الأدوية المتعددة، والالتهابات المرتبطة والسكتات الدماغية والأحداث الوعائية داخل الدماغ.

كان من أبرز ملاحظات الدراسة أن الهذيان حدث في 107 مرضى من إجمالي 148، وتراجعت مدة الهذيان بين 4 إلى 17 يوماً، أي بمتوسط 10 أيام.

كان أكثر تدابير الوقاية من الهذيان تقييم الألم وعلاجه، وكانت التدابير الأقل توفير أشياء مألوفة للمريض واستخدام تجارب الصحوة التلقائية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"