عادي

«كوفيد19-».. بصمات على الصحة النفسية

20:40 مساء
قراءة 5 دقائق

في الوقت الذي تركز فيه معظم البيانات من جميع أنحاء العالم على الأعراض الفيزيائية لمرض «كوفيد-19» وآثاره وخطورته على صحة الإنسان، فإن منظمات دولية أخرى بدأت في الآونة الأخيرة في تسليط الضوء على تبعات الجائحة على الصحة العقلية وآثارها النفسية على المصابين وحتى المجتمعات؛ حيث أظهرت دراسات حديثة إلى أن نحو ثلث المتعافين من «كوفيد-19»، عانوا من اضطرابات تتعلق بصحتهم النفسية والعقلية، وهو ما قد ينذر بحدوث المزيد من المضاعفات السالبة للمرض حتى بعد الشفاء منه تماماً في بعض الحالات.
كما أظهرت دراسات مسحية في كل من أوروبا وأمريكا، أن هنالك تزايداً واضحاً في أعداد المصابين الجدد بالاكتئاب والحالات النفسية الأخرى، خاصة خلال فترة الإغلاق التي شهدها العالم خلال الموجة الأولى للجائحة، كما أشارت تقارير طبية إلى ارتفاع تلك الحالات في أوساط حتى الذين لم يصابوا بالمرض، وذلك بسبب الظروف التي صاحبت فترة الإغلاق تلك؛ حيث أدى ذلك إلى إصابة الكثيرين بحالات نفسية خطِرة أو تفاقم من لديهم أصلاً اضطرابات في هذا الجانب.الآثار السالبة

وقامت مؤسسة مستقلة تختص في دراسات الصحة النفسية بإجراء بحث مطول خلصت فيه إلى أن الآثار السالبة لمرض «كورونا» على الصحة البدنية أقل من الآثار السالبة للمرض على الصحة العقلية والنفسية؛ حيث رجحوا أن تظل الآثار النفسية والعقلية لفترة أطول بكثير من المضاعفات البدنية.

ويعتقد خبراء أن حالة الوسواس القهري، هي إحدى المشاكل النفسية التي من المتوقع أن تستمر لفترة طويلة بعد وباء «كورونا»؛ إذ يعتبرونه نتيجة طبيعية لعدد من العوامل البيئية والوراثية. بينما يعدّ اضطراب القلق العام هو إحدى المشاكل النفسية التي ربما ستسجل تزايداً كبيراً خلال الفترة المقبلة، خاصة أن المجتمعات حول العالم تعاني من تزايد حالات القلق، وعلى الجانب الآخر، يمكن للآثار السالبة للمرض مفاقمة تلك الحالات لدى المصابين بها قبل الجائحة.

الرابط الفعلي

وأشارت الأبحاث التحليلية إلى أنه لم يتم التعرف بشكل جازم إلى الرابط الفعلي بين «كوفيد-19» والاضطرابات النفسية والعقلية، إلّا أن ارتفاع وتيرتها خلال فترة الجائحة يعد دليلاً ملموساً على أن «كورونا» له دور كبير في مفاقمتها لدى من كانوا يعانون منها أصلاً، إلى جانب أنه أدى إلى إصابة المزيد من الأصحاء بمشكلات نفسية وعقلية يمكن ألّا تزول آثارها إلا بعد فترة طويلة من الزمن.

ورغم هذه النتائج، لم تشر دراسات أو أبحاث إلى احتمالية وجود آثار سالبة على الجهاز العصبي للإنسان جراء المرض، سواء المصابون به أو الأصحاء خلال فترة الجائحة، وذلك بغض النظر عن بعض الحالات الفردية التي تم تسجيلها في أمريكا الشمالية، ولكن خبراء أكدوا أنها كانت موجودة أصلاً قبل الإصابة بالمرض، أو قبل حلول فترة الإغلاق التي صاحبت تفشي الوباء.

وتؤكد نتائج دراسة أجرتها جامعة أوكسفورد البريطانية أن الاضطرابات المرتبطة بالصحة النفسية والعقلية كانت أكثر شيوعاً بعد فترة جائحة «كورونا»، مقارنة بأمراض الجهاز التنفسي الأخرى، رغم أنها لم تتمكن من تحديد آلياتها البيولوجية أو النفسية المؤدية إلى تلك الحالات. وجاء في ذات الدراسة، أن أكثر بقليل من 20% من المتعافين من «كورونا»، كانوا عرضة لاضطرابات نفسية خلال الأشهر ال 3 التالية، فيما أظهرت نتائج تحليل السجلات الطبية لعشرات الآلاف من المرضى في الولايات المتحدة، ضمن دراسة منشورة في «لانسيت»، أن أكثر من 30% من المصابين ب«كورونا»، تعرضوا لمجموعة متنوعة من الاضطرابات النفسية أو العصبية خلال الأشهر ال 6 التالية لإصابتهم بالوباء.

نمط الحياة الاعتيادي

يعبر الكثير من الاختصاصيين النفسيين عن مخاوفهم من انتشار العديد من الاضطرابات النفسية والمشاكل العقلية الناتجة عن التغير المفاجئ في نمط الحياة الاعتيادي، مثل إلزامية التباعد الاجتماعي، الذي فرق بين الأصدقاء وأفراد الأسرة، خاصة المصابين بالمرض، والذين يكونون في عزلة تامة حتى عن أفراد أسرتهم، وهو ما يقود لاحتمالية أن تطول فترة عودة البعض إلى المسار الطبيعي للحياة، حتى بعد التخفيف من الإجراءات الاحترازية، نسبة لطول فترة العزل الاجتماعي التي صاحبت الإغلاق.

ومن الآثار النفسية السلبية الأخرى لتفشي وباء «كورونا»، الحالات التي يصاب بها الأشخاص جراء فقدان وظائفهم أو مداخيلهم؛ إذ إن الحالة النفسية المرتبطة بالمداخيل أو ما يملكه الشخص من أموال، هي أحد العوامل الرئيسية الداعمة للاستقرار الذاتي. وقد جاء في دراسة أمريكية حديثة أن نحو نصف المتأثرين بفصلهم من العمل أثناء الجائحة، أو من خفضت مداخليهم نتيجة لذلك تعرضوا لاضطرابات نفسية بسبب حالة القلق الشديدة التي شعروا بها بعد ذلك، بسبب القلق من إمكانية الاحتفاظ بالوظيفة والقدرة على سد الاحتياجات والالتزامات المالية الثابتة، لاسيما أن طبيعة الأزمة وحجمها كانا سبباً مباشراً في زيادة معدلات عدم اليقين والقلق من المستقبل والمجهول، وهي المشاكل التي يمكن أن تلازم هؤلاء الأشخاص لفترة طويلة حتى بعد انقضاء مشكلتهم المادية.

وقال خبراء إن الأزمات النفسية المصاحبة لتفشي وباء كورونا «كوفيد-19» هي الأكبر وتيرة منذ الحرب العالمية الثانية؛ إذ ازدادت بشكل ملحوظ حالات طلب الاستشارات النفسية بعد أن تم تخفيف بعض القيود جزئياً، وفقاً لبيانات الاطباء والاختصاصيين النفسيين، كما أن حالتي الإحباط والاكتئاب هما الأكثر شيوعاً خلال أزمة «كورونا».

وفي دراسة أخرى منشورة بمجلة الطب النفسي، أظهرت نتائج دراسة أجريت على سكان بلدة صغيرة أغلب قاطنيها من ذوي الدخل المنخفض، أن الأزمات بشكل عام تؤثر على الصحة النفسية، فرغم أن عدد الإصابات في تلك البلدة كان محدوداً للغاية، إلا أن حالة الإغلاق العام كانت السبب في معاناة أكثر من 25% منهم من اضطرابات نفسية وعقلية ملحوظة. كما أنها أكدت بأن فترة الإغلاق تسببت في ارتفاع المخاطر المرتبطة بإمكانية التعرض للقلق والاكتئاب وقطع العلاقات الاجتماعية أو الحد منها.

التماسك الداخلي

وعلى الرغم من جميع تلك الآثار المرتبطة بتفشي الوباء، والتي يمكن أن يصل بعضها إلى حالات خطِرة، فإن هنالك العديد من الطرق التي يمكن بها المحافظة على التماسك الداخلي وعدم الإنجراف وراء تلك الحالات التي تكون مستعصية في الأغلب، أهمها العناية بالسلامة البدنية، والتي تشتمل على الممارسات الصحية، مثل النوم الكافي والطعام الصحي والابتعاد عن التدخين وتقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الاسترخاء وتجديد الطاقة. إضافة إلى ذلك، يتعين على الشخص العمل على المحافظة على صحته العقلية والنفسية من خلال المحافظة على الروتين اليومي المعتاد وممارسة الهوايات المحببة، والبعد عن الأمور السلبية، سواء كانت أخباراً أو تقارير أو حتى النقاشات المحمومة في المنزل، علاوة على التركيز على الأفكار الإيجابية وتقبل الواقع بكل تفاصيله.

ويعد التواصل مع الآخرين من أهم العناصر التي يمكن بها للشخص المحافظة على صحته النفسية والعقلية، فرغم قيود التباعد الاجتماعي، يمكن تخصيص بعض الوقت يومياً للتواصل مع الأحباء عبر الوسائل الرقمية، ومساندة الأصدقاء وأفراد الأسرة ممن يعانون أي أزمات، وتقديم يد العون لهم، وهو ما يؤدي في المقابل إلى شعور الشخص بالإيجابية والتفاؤل. إضافة إلى مساعدة المقربين من المصابين ب«كوفيد-19» عبر تقديم يد العون لهم عن بعد، وإعطائهم إحساساً بالأمان والدفء.

الصراحة مطلوبة

في حين أن العديد من الناس لا يرون مثلاً أن حالات الاكتئاب أو القلق يمكن أن ترقى لمستوى الاضطرابات النفسية، فإنه يتعين أخذ هذا الأمر بجدية كبيرة، والاستعانة بالخبراء والاختصاصيين النفسيين في حال شعر الشخص بإمكانية تفاقم الحالة أو ازديادها سوءاً، فطلب المساعدة في مثل هذه الحالات لا يعدّ ضعفاً كما يتخيل البعض، فمن المهم جداً أن يكون الشخص صريحاً جداً في تفاصيل كل ما يتعرض له بدون خجل أو شعور بالضعف.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"