عادي

شريهان في «كوكو شانيل».. طائر فينيق يولد من الرماد

رقصت وتلوّت وتلوّنت وغنت ومثلت كأنها أبداً لم تغب
23:11 مساء
قراءة 4 دقائق

مارلين سلوم:
لا 30 عاماً بلا مسرح، ولا رحلة العذاب مع المرض، ولا الألم، ولا البعد عن الفن 20 عاماً غيرت شيئاً أو سرقت وهجاً من شريهان. طبيعي أن تبقى صورة الفنان في بالنا كما عرفناه يوم كان متألقاً ساعياً لإسعادنا، مقدماً أعمالاً ناجحة ومبهرة، وكلما تذكرناه قفزت تلك الصورة الجميلة أمامنا، وطبيعي أن تترك سنوات العمر أثرها وبصماتها عليه وعلى صحته وحركته، لكن شريهان كسرت القواعد تلك وذهبت إلى ما هو غير طبيعي، وكأنها طائر الفينيق الذي يولد من الرماد، حلقت من جديد على خشبة المسرح، رقصت، تلوَّت وتلوَّنت، غنت، مثلت وكأنها لم تغب يوماً ولم يتوقف الفن عن نحت بدنها وتشكيله يوماً، لتبقى عروس الاستعراض الغنائي بكل أشكاله وألوانه.

كوكو شانيل، سيدة الموضة، المرأة الفرنسية التي قادت ثورة في عالم الأزياء في العالم، حرضت شريهان لتخرج إلى الفن من جديد، دفعتها إلى الأضواء لتثور على ركود فرضته الظروف عليها وأبعدتها عن الفن الذي ولدت فيه، ومن أجله عملت كثيراً واجتهدت وأبدعت. شريهان التي غابت رغماً عنها 30 عاماً عن المسرح و20 عاماً عن التمثيل والفن، لم تقف على رجليها بعد طول محنتها مع المرض فحسب، بل استعادت روحها الفنية المميزة، رشاقتها، ليونتها، وهي اليوم في ال 56 من العمر، أداؤها، إحساسها، روحها وتفاعلها مع الشخصية، ليستمتع الجمهور ويندهش وينبهر.

هدية عيد الأضحى

ساعتان من الإبداع، هدية عيد الأضحى من منصة «شاهد في أي بي» للجمهور، عرض مسرحية «كوكو شانيل» تأليف وسيناريو وحوار مدحت العدل، إنتاج «العدل جروب» برعاية هيئة الترفيه السعودية وإخراج هادي الباجوري. ساعتان من الإبداع في التأليف والإخراج والتصوير والديكور والأزياء والرقصات والغناء واللوحات الفنية والتمثيل.. والحضور المميز والواثق لشريهان. ولا لحظة ملل، ولا لحظة فراغ أو تكرار أو حشو وتطويل. كل الممثلين ناجحون، حضور ضيوف الشرف وعبورهم السريع موفق أيضاً ومنهم آسر ياسين وأيمن قيسوني وهاني عادل، لكن عيوننا لم تفارق نجمة الاستعراض ولم تتعلق إلا بها.

كثير مما عاشته كوكو جابريال شانيل يلتحم بما عاشته شريهان في حياتها، غريب هذا التلاقي وهذا الالتحام، فتشعر بأن نجمة الاستعراض العربي تحكي عن ذاتها، وتلتحم مع نجمة الموضة الفرنسية والعالمية. رحلة طويلة مع الألم والعذاب والعناد والإصرار على النجاح والتميز، طاقة فريدة وغريبة من الإبداع، موهبة فذة تسحر وتبهر الجميع، الألم رفيق الدرب منذ الطفولة حيث اليتم، ثم الحب والشهرة، فالانكسار والنهوض، جنون وجرأة، صعود وهبوط، تقلبات ومواجهات، أضواء وعزلة.. غريب هذا الالتحام بين الشخصيتين، فهل رأته شريهان فعزمت على اختيار كوكو شانيل، لتكون عبورها الجديد إلى الأضواء والمسرح والجمهور، وتحكي من خلالها عن حياتها هي وما عانته وعزيمتها وموهبتها وأناقتها وعشقها للجمال والفن والأزياء؟

اختيار موفق

أياً كان سبب اختيار نجمة الاستعراض لهذه الشخصية، لتعود بها إلى الفن، فهي تؤكد مجدداً أنها ما زالت تجيد انتقاء الأعمال واختيار ما يليق بها، وما يليق بموهبتها وبالفن وبالجمهور.

اختيار موفق،«فكرة شريهان» كما هو مذكور في بداية المسرحية، اختيار موفق يليق أيضاً بتاريخ شريهان وشوق الجمهور لعودتها إلى الفن وتحديداً الاستعراض.

والاختيار هو جزء من الاختبار الذي يخشى أي فنان السقوط أو الفشل فيه، فما بالك وهو الباب الأول والوحيد الذي تعود من خلاله شريهان من العزلة الإجبارية، إن صح التعبير، إلى الأضواء والوقوف مجدداً أمام ملايين المعجبين والنقاد! والاختيار لم تتركه شريهان يمر كأي عبور فني بسيط، بل حملته رسالة مباشرة من خلال إهداء العمل «لعموم المرأة في العالم». نعم، هو نجاح مع سبق الإصرار أرادته النجمة أن يكون علامة فارقة تترك بصمة، تقول «أنا شريهان، ما زلت هنا وما زلت أملك الكثير من الطاقة والإرادة والموهبة والعطاء».

ما الفرق بين شريهان قبل 20 عاماً وشريهان الآن؟ اليوم نحن أمام امرأة في قمة نضوجها، لم ترجع إلى الفن من أجل الظهور بل لتقول شيئاً، تملك فكرة، قضية، رسالة. ناضجة بفكرها وخبرتها وفنها، علمتها الحياة الكثير وعلمت فيها، وكل أثر محفور بألم، والألم يخرج من تلك النجمة إبداعاً وسحراً.

موهبة متوهجة

تسيطر شريهان على المسرح، بعزة نفسها تشعر بأنها كوكو شانيل الحقيقية، بحركاتها ورقصها ومشاعرها تشعر برغبة جامحة لديها لإخراج كل هذا المخزون من الفن الذي تملكه، موهبة متوهجة، مشتعلة على المسرح. بعض «الإفيهات» والنكات الظريفة تثير ضحك الجمهور إنما برقيّ، فالمسرحية جادة لا هزلية، عميقة إنما لا تخلو من اللمسات الكوميدية الظريفة. الديكور لمحمد عطية يرتقي إلى مستوى العمل وباريس وكوكو شانيل، يحملنا إلى أجواء متنوعة ومراحل زمنية مختلفة من حياة تلك السيدة ومن رحلات الفرح والحزن والحب والأسى التي عاشتها فننسى بأن كل ما يحصل هو فوق خشبة مسرح واحدة. موفق جداً في أكثر من مشهد، مثل تحليق الحبيبين كوكو والضابط الألماني عالياً بين النجوم، ومشهد المحاكمة والقفص المتأرجح بين كفين، المتهمة من جهة والناس من جهة ثانية، وعزلتها وطيف الضابط ورقصها معه، ومشهد الختام للبطلة بالفستان الأحمر ترتفع عالياً كالمتحررة من الحياة من كل شيء، على وقع أغنية النجمة الفرنسية إديت بياف «جو نو روجريت ريان»، أي «لا أندم على شيء». مشهد رمزي يختصر الكثير من المعاني ومن حكاية شانيل.

روح شريهان

المصممة ريم العدل حافظت على روح شانيل في الأزياء وعلى روح شريهان أيضاً التي عرفناها سيدة الأناقة والشياكة في ملابسها الاستعراضية أيام الفوازير الرمضانية. هو نجاح مشترك لكل فريق العمل، لم يكن ليتحقق لولا المجهود المبذول من قبل المجموعة، فوجود شريهان وحدها، رغم كل اشتياقنا لها وكل شهرتها وملايين المعجبين بها، لا يكفي ولا يعوض نقصاً في أي تفصيلة مهمة سواء في النص أو الإخراج أو الديكور والرقصات.. وشريهان فنانة تحرص على التفاصيل وتتابع بدقة كل ما يتعلق بالعمل كما يقول كل من يعمل معها.

ومدحت العدل دقيق في التفاصيل أيضاً، فقد أجاد اختصار حياة سيدة الموضة وقائدة الثورة على الأزياء في العالم كوكو شانيل، دون أن تفوته أهم المحطات في حياتها وابتكاراتها من البنطلون إلى «الفستان الأسود» فالعطر «شانيل رقم 5» ثم دخولها عالم الأزياء في أمريكا، مع كل التنقلات ومحطات الحب والهزيمة في حياتها الشخصية، وصولاً إلى رحيلها.
[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"