رؤية جديدة للإعمار

00:27 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ناجي صادق شراب

الإعمار ليس مجرد عملية بناء لما دمرته الحرب من منازل وأبراج. إنه عملية حضارية إنسانية شمولية، ترتبط بأفق سياسي يحول دون العودة للحرب، لا بل هو عملية بناء فكري وثقافي وقيمي. إنه رؤية شاملة لحاجة غزة للحاضر والمستقبل. والإعمار ينطلق من معطيات غزة السكانية والجغرافية والسياسية، ووفق فرضيات أساسية. وهذه الفرضيات مبنية على واقع غزة الجغرافي والسكاني، والسياسي والأمني. 

غزة تشكل أصغر المساحات السكانية في العالم، فمساحتها لا تزيد على 340 كيلومتراً مربعاً يسكنها أكثر من مليوني نسمة. في سياق هذا الواقع تصبح الأبراج مسألة حتمية وحلاً وليس مجرد ترف سكاني، وتفترض كيف يمكن الاستفادة من الأرض باطناً وفوقها.

 والخاصية الثانية أن غزة تفتقر للخصائص الجيوسياسية والعمق الاستراتيجي وتتحكم إسرائيل في منافذها، وهذه الخاصية مع خاصية السكان والجغرافيا تقودنا للفرضية الأخرى أن غزة لا تصلح أن تتحول لثكنة عسكرية؛ بل هي بحاجة للتنمية المدنية، فضلاً عن أنه لا يمكن النظر أو التعامل مع غزة كوحدة جغرافية منفصلة عن الجغرافيا الفلسطينية، وهذا يعني أن الإعمار ينبغي أن يرتبط بحاجات غزة الخاصة بالرؤية التنموية والسياسية الشاملة لفلسطين ويخضع لمحددات الخطة الوطنية الشاملة.

 وعملية الإعمار تحتاج أولاً إلى تحديد الأهداف والأليات اللازمة وكيف يمكن أن تتحول لعملية توالد ذاتي، أي خلق فرص العمل والإنتاج القادرة على مواجهة الاحتياجات المدنية والتنموية للسكان. ويرتبط الإعمار الحقيقي بتنمية الإنسان في كافة مراحله ويخاطب احتياجاته حاضراً ومستقبلاً.  والإعمار الناجح هو الذي يخاطب عناصر القوة المتاحة والممكنة في غزة. وأبرز عناصر القوة هذه القوة العقلية والإبداعية لشبابه، فغزّة تتسم بجيل واسع وممتد من الشباب المتعلم القادر على إنتاج المعلومة وتوظيفها وتصديرها.

 وفي هذا السياق أرى أن الإعمار يرتبط بثلاثة مستويات من العمر، أولاً: مرحلة الطفولة وهي التي تشكل عنصر القوة المستقبلي، فمن حق الأطفال في غزة أن يتلقوا تعليماً متقدماً وأماكن للترفيه ودور حضانة ومدارس مجهزة بالأنشطة التعليمية، والحرص على تربيتهم وغرس قيم الإبداع والتسامح والتواصل مع أقرانهم في كل دول العالم ونبذ العنف ورفض أفكار التشدد والتطرف من خلال توفير البيئة المناسبة لهم وهذه إحدى أهم أولويات الإعمار الأولى.

 والمستوى الثاني والذي يشكل محور الأساس لعملية الإعمار هي شريحة الشباب التي تمثل قوة الدفع والتغيير والبناء في المجتمع، هذه الشريحة اليوم تمثل الأغلبية السكانية وهي أمام ثلاثة خيارات، إما الذهاب للانخراط في المنظمات المسلحة، وهي الأكثر استعداداً وقبولاً لفكرة العنف والتطرف، وإما توفير مستلزمات تسمح لهم بتفريغ طاقاتهم الإبداعية، من هنا أهمية أن يخاطب الإعمار حاجات هذه الشريحة بتوفير فرص العمل الخاص لها وتبني مشاريع الإقراض الميسرة والدعم الاجتماعي، وبناء المؤسسات الشبابية ومحاولة خلق نوافذ من الأمل. 

والخيار الثاني أمام هذه الشريحة محاولة الهجرة والبحث عن أماكن للعمل والحياة الآمنة لهم وهذا الخيار مقيدٌ وفرصُه ضئيلة بسبب العوائق الجغرافية البعيدة وصعوبة الهجرة، والخيار الثالث خيار العمل والإنتاج والتفاؤل وبناء الأسرة. 

والشريحة الثالثة شريحة كبار السن وهي في حاجة لمزيد من الاهتمام ببناء دور المسنين وتوفير العلاج اللازم لهم لأن من حقهم على المجتمع أن يرد لهم الجميل الإنساني بتطوير الخدمات لهم أسوة بالشريحة نفسها في المجتمعات الأخرى.

الخلاصة، أن الهدف من الإعمار ليس الشأن المالي البحت، بل خلق البيئة الاجتماعية الاقتصادية التي تحول غزة إلى حالة من التنمية والبناء والإنتاج، وواحة وأنموذج للتنمية المستدامة بدلاً من تحويلها لثكنة عسكرية.

[email protected]

عن الكاتب

أكاديمى وباحث فلسطيني في العلوم السياسية متحصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومتخصص في الشأن السياسى الفلسطيني والخليجي و"الإسرائيلي". وفي رصيده عدد من المؤلفات السياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"