لا يقوم عليها دليل ولا برهان

00:13 صباحا
قراءة 3 دقائق

سليمان جودة

مفارقات فيروس كورونا التي يمكن ملاحظتها بسهولة كثيرة ومتنوعة، ومن بينها على سبيل المثال أن العلماء الكبار في مجالات الصحة يتساوون أمام الفيروس مع آحاد الناس أو يكادون، وأن ما يعرفه عنه المواطن العابر لا يكاد يختلف عمّا يعرفه الأستاذ الدارس. 

مرجع هذا الكلام يعود إلى ما صدر قبل أيام عن أنتوني فاوتشي، المستشار الطبي للبيت الأبيض أيام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.. فالرجل خرج على العالم ليقول إن بطء التطعيم ضد الوباء واستمرار التحورات للفيروس، سيتسببان بارتفاع عدد الإصابات وقلة الاستجابة للقاحات المتاحة، وهو أمر سيمنح الفيروس فرصة أكبر في التطور والتحور. 

وحين تتأمل هذه المعاني ستكتشف أنها بسيطة، وأنها يمكن أن تمثل قاسماً مشتركاً أعظم بين عامة الناس وخاصتهم في ذات الوقت.

ذلك أن المرء عندما يوصف بأنه المستشار الطبي للبيت الأبيض بجلالة قدره، فلا بد عندئذ أن نسمع منه كلاماً مختلفاً ومحدداً.. لا بد أن نسمع منه كلاماً مختلفاً عما يتردد بين الملايين في كل مكان.. ولا بد أن نسمع منه كلاماً محدداً عن الطريقة التي يمكن بها فهم هذا الفيروس اللعين، من حيث نقطة انطلاقه التي بدأ منها غزو العالم في أنحاء الأرض. 

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية، قد بدأت في أثناء وجود ترامب في الحكم، توجيه الاتهامات إلى الصين بأنها تقف وراء انطلاق الفيروس في فضاء الدنيا، وأنه خرج إما من مختبر في مدينة ووهان الصينية، وإما من سوق للحيوانات البرية في المدينة نفسها. 

وقد بلغ الرئيس ترامب في اقتناعه بأن الفيروس انطلق من الصين دون سواها، إلى حد أنه ظل إلى أن غادر البيت الأبيض في يناير الماضي، يردد على الدوام أن الاسم الصحيح للفيروس هو الفيروس الصيني وليس فيروس كورونا.. وكان ذلك يصيب الحكومة في بكين بالكثير من السخط والغضب. 

حدث هذا في المراحل الأولى من مراحل انتشار «كورونا» بين الدول، ثم في مراحل ذروته السنة الماضية، فلما غادر ترامب وجاء جو بايدن إلى البيت الأبيض تجددت الاتهامات، لولا أنها هذه المرة كانت متبادلة ولم تكن من اتجاه واحد، وبدأت المعركة تزداد سخونة عندما لجأت الحكومة الصينية إلى استخدام السلاح نفسه في الرد وفي الهجوم، فقالت إن انطلاقة الفيروس كانت من أمريكا.

ولقد تابعنا جميعاً كيف أن بايدن كلف جهاز المخابرات في بلاده رسمياً بدراسة ظروف انطلاق «كورونا»، وتقديم تقرير عن ذلك في مدى زمني محدد لا يتجاوزه الجهاز. 

طبعاً تظل الاتهامات في حالتيها، سواء من جانب واحد أو من الجانبين، اتهامات مطلقة لا يقوم عليها دليل ولا ينهض إزاءها برهان، وهذا في حد ذاته ما جعل الكثيرين يصابون بدرجة كبيرة من الحيرة، وهم يحاولون فهم ماذا جرى ويجري في ملف هذا الوباء منذ البداية. 

وكان الأمل أن تتبدد مثل هذه الحيرة على يد أطباء كبار من وزن فاوتشي، لكنه لم يبدد حيرة أحد وربما زاد الحيرة ضعفاً فوق ضعفين، وهو يتحدث عن إصابات ترتفع أعدادها، وعن تحور وتطور لا يتوقفان. 

وسيبقى من مفارقات «كورونا»، أنه ترك أطباء العالم عاجزين أمامه عن فعل شيء لاستيعاب خلفيته السابقة على انطلاقه، على الرغم من أننا نتكلم عن فيروس لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، وعلى الرغم من أننا نتحدث عن عامين كاملين تقريباً عاش العالم خلالهما حبيساً في قبضة ما لا يُرى إلا بالميكروسكوب فائق القدرات. 

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"