لما جاء مايو في أفغانستان!

00:51 صباحا
قراءة 3 دقائق

 

سليمان جودة

رغم الأفكار الكثيرة التي تحاول إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ترويجها، باعتبارها أسباباً وراء قرارها سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، إلا أنه من الصعب تصديقها كلها، ومن الصعب أيضاً وصفها بأنها أفكار وجيهة أو مقنعة!

أول هذه الأفكار التي يلوذ بها بايدن كلما سألوه عن دواعي اتخاذ القرار أنه قرار قديم، وأن الرئيس السابق دونالد ترامب هو صاحبه في الأساس!

هذا كلام صحيح طبعاً، ولكن له بقية تجعله غير منطقي، وهذه البقية هي أن الرئيس بايدن أبدى منذ وصوله إلى البيت الأبيض رغبة معلنة في هدم ما يستطيع هدمه، مما ترك ترامب وراءه من إرث سياسي.. فإذا كان الرئيس السابق قد قرر بالفعل بدء سحب قواته ابتداء من مايو/ أيار 2021، فهذه حقيقة ليست مخفية، ولكن المشكلة هي في موقف الرئيس الحالي من الإرث السياسي الذي وجده في انتظاره.

وإذا كانت الحال كذلك، فمن الأفضل أن تبحث الإدارة الحاكمة في واشنطن عن سبب آخر يصلح لإقناع العالم، ويصمد عند اختباره على أرض الواقع.

إن كثيرين لم يصدقوا أنفسهم عندما سمعوا بايدن يتحدث يوم 14 أبريل/ نيسان الماضي عن اعتزامه سحب قوات بلاده بدءاً من أول مايو/ أيار، فلما جاء مايو/ أيار فوجئوا بأن الرجل كان يعني ما يقوله وأنه جاد في القرار، ولكن الذي لم يصدقوه إلى الآن أن يكون التنفيذ التزاماً بقرار جاءه من الإدارة السابقة عليه، فما يعرفونه عن موقفه الذي لا يخفيه تجاه هذه الإدارة يجعلهم لا يصدقون.

والفكرة الثانية التي لا يتوقف بايدن عن الحديث عنها، هي خسائر بلاده على أرض أفغانستان منذ أن ذهبت إلى هناك بقرار من الرئيس الأسبق جورج بوش الابن في أعقاب أحداث سبتمبر الشهيرة.

وهذه بدورها فكرة قد تبدو وجيهة من حيث الشكل، ولكنها لا تبدو كذلك من حيث المضمون.. فالثابت بالورقة والقلم أن خسائر الولايات المتحدة من الجنود منذ فبراير 2020 هي جندي واحد فقط لا غير!.. وعلى المستوى المادي في الأجهزة والمعدات العسكرية، فإن أي خسائر من هذا النوع مهما كان حجمها، هي في حقيقتها مكاسب سياسية على المدى الطويل.

تبقى فكرة ثالثة هي حديث بايدن عن أن الدفاع عن أفغانستان مسؤولية يجب أن ينهض بها الجيش الأفغاني لا الجيش الأمريكي. وهذه بدورها فكرة أخرى وجيهة من حيث الظاهر، ولكنها لن تكون كذلك إذا ما أخضعناها للقليل من التفسير والتحليل.. فالجيش الأفغاني عليه أن يقوم بهذه المسؤولية وحده دون سواه من الجيوش الأخرى، لو أن الجيش الأمريكي لم يذهب إلى هناك قبل عقدين، ولو أنه لم يأخذ على عاتقه مسؤولية مطاردة عناصر حركة طالبان في أنحاء بلاد الأفغان.

إن وجود القوات الأمريكية على الأراضي الأفغانية وضع درجة من المسؤولية على كاهلها إزاء البلاد، ولا يجوز أن تتخلى عنها فجأة وبسهولة هكذا، فإذا تخلت، فليكن ذلك ضمن برنامج عمل طويل الأمد يؤهل أفغانستان لما سوف تكون مقبلة عليه.

وليس أمام واشنطن في الوضع الأفغاني المعقد الحالي سوى أن تفتش عن أسباب مغايرة، تبدو قادرة على إقناع الرأي العام في العالم من حيث المضمون، قبل أن تكون قادرة على ذلك من حيث الشكل.

[email protected]

 

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"