في الإحساس بالجمال صناعة

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

هل اتفقنا على أن الذوق الرفيع صناعته ممكنة؟ الفلاسفة وإن كانوا يحبذون استخدام عبارة الإحساس بالجمال، لا يُعقل أن يرفضوا مبدأ إمكانية صنعه. بداهة، إذا أخذت طفلاً من بيئة ونقلته لينشأ في أخرى مختلفة تماماً، فإن من «شبّ على شيء شاب عليه». لكن الأمر يختلف حين نتحدث عن مجتمع، عن شعب، عن مجموعة شعوب تربطها أواصر عميقة مشتركة. من هذا المنطلق في التحليل، يرى القلم أن ظهور خمسين مليون طفل صيني يدرسون البيانو، وراءه ما وراءه. في الكواليس استراتيجية صينية للموسيقى العالمية. مخطط ريادي.
من الضروري استحضار مقولة أفلاطون: «إذا أردت التحكم في الشعب، فابدأ بالتحكم في موسيقاه». هذه أهم بكثير هنا من مقولته الملهمة الأخرى: «إذا أردت أن تعرف شعباً، فعليك استماع موسيقاه». تحليل الأولى يحتاج إلى مركز بحوث يعجّ بأساطين الفكر المتخصصين في الموسيقى، في الموسيقولوجيا، في علم النفس الموسيقي.. الاستهانة بمفاعيل الفن وتوجيه الذوق بالريموت، يسطح القضايا، ويصرف الذهن عن الغايات الخفية. هبوط الذوق العام كارثة عامة شاملة.
البداية السليمة تكون إذاً بتصور كأن شيئاً لم يكن، من حيث الخطة والمنهاج. جدول الأعمال المطلوب، يقوم على تأسيس المباني الجادة. يجب إعادة بناء الذوق العام على مفاهيم فكرية وعلمية للإحساس بالجمال. كيف تستطيع أن يكون رأي عام يتمتع بكفاءات عالية في إدراك متطلبات العصر، وتحولاته في التنمية الشاملة، بأتم معنى الشمول، في الاقتصاد، العلوم، التكنولوجيا، بل هو يدرك الملابسات الإقليمية والعالمية، فهو ملم بكل شيء، إلاّ أنه يتعايش سلمياً مع الفن الهابط، ولا يحرك ساكناً إزاء الهبوط عندما يرى بعينه المهازل تحصد ملايين «اللايكات». 
نعم، النموذج الصيني هو القدوة، والحكيم كونفوشيوس أوصى بتعليم الموسيقى منذ سن الرابعة. خمسون مليون طفل يدرسون البيانو، إذا ظهر بينهم ألف عبقري فقط، فسوف تتحقق رؤيا ذلك الموسيقي الصيني الذي ترك الولايات المتحدة قبل عقدين تقريباً قائلاً للبي.بي.سي: «أعود إلى الصين لأن مستقبل الموسيقى الكلاسيكية هناك». لا أحد يطالبنا بالخروج من جلد الموسيقى العربية، لكن العقل يوصينا بعمق التفكير في أسباب الانحدار من ثلاثي في مستوى شوقي، السنباطي وأم كلثوم، إلى العبث الذي من العبث ذكره.
لزوم ما يلزم: النتيجة العلمية: الصعود يحتاج إلى علم، هل من تحليق بلا فيزياء؟
 [email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"