الإمارات.. قبل وبعد

00:14 صباحا
قراءة دقيقتين

خمسون عاماً مرّت على تأسيس دولة الإمارات. في معايير الزمن ليس هذا بالعمر الطويل، لكن الأمور لا تقاس بالأعمار وإنما بحجم الإنجازات، خاصة حين يدور الحديث عن الدول، فما أكثر الدول في العالم التي يمكن وصفها بالعريقة، لكنها لا تبارح البدايات، وتظل متعثرة وربما فاشلة، وهناك دول حديثة النشأة حققت من الإنجازات ما وضعها في مكانة مرموقة في عالم اليوم، وينظر إلى تجربتها بالتقدير، ويراها الكثيرون مثالاً يقتدى به، وهذا يصح على الإمارات، وهي تحتفل بيوبيل تأسيسها الذهبي.
لم تنشأ دولة الإمارات من فراغ، فعلى هذه الأرض عاش شعب عربي عبر قرون، كافح من أجل العيش، وأنتج زراعة وحرفاً وارتاد البحر صياداً وغائصاً على اللؤلؤ، وبلغ مرافئ قريبة وبعيدة، ومثلما أنتج بحارة وحرفيين ومزارعين، أنتج في غمرة هذا أدباً وثقافة عبرّت عن بيئة وظروف تلك المرحلة.
وهذا الشعب المنتشر على مساحة الإمارات السبع، عانى، يومها، من بعد المسافات وصعوبة المواصلات بين هذه الإمارات، لكن هذا لم يمنعه أبداً من أن يظل مشدوداً بروابط الأخوة والقربى والعادات والثقافة المشتركة، حتى وإن وجدت تفاصيل خاصة بكل منطقة وإمارة، فهي من النوع الذي يثري الأخوة ويعمق محتواها، لا من النوع الذي يُفرق أو يباعد.
شعب مثل هذا كان مهياً لأن تضمه دولة سيادية واحدة. كان جاهزاً لها، لأنه يرى فيها المسار الطبيعي لعيشه المشترك على ذات الأرض، وللتاريخ الواحد الذي يجمع بين أبنائه، وحين تيسرت الظروف لقيام مثل هذه الوحدة وتهيأت لها القيادة الجديرة بإنجازها، قامت الوحدة بسلاسة، لأنها ليست قراراً أملي من فوق بقدر ما هي إرادة شعبية مشتركة، ولنا أن نقارن بين ما آلت إليه تجارب «وحدوية» عربية من فشل، والنجاح الذي حققته الإمارات بقيام دولة الاتحاد، لندرك محتوى هذا القول وأبعاده.
أشرنا في مقال الأمس إلى جيل الخمسين، وعنينا به الجيل الذي أدرك مرحلة ما قبل الدولة وشهد نشأتها وأسهم في بنائها ونعم بمنجزاتها، لكن بعد هذا الجيل ولدت أجيال تحمل الهوية الإماراتية المشتركة في المقام الأول بصرف النظر عن الإمارة التي تتحدر منها أو تعيش فيها، وتربت على الفخر بهذه الهوية والاعتزاز بها وعلى إجلال ذكرى من أسسوها، وفي مقدمتهم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي ينظر أهل الإمارات إلى أنفسهم على أنهم أبناء له.
إمارات الحاضر ليست منقطعة عن إمارات الماضي، ففي هذا يتجلى تاريخ أبنائها الممتد عميقاً في تراب هذه الأرض الطيبة.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"