كسر حرفي بغيابك

00:17 صباحا
قراءة دقيقتين

م. مريم البلوشي
إلى سدرة البيت، وظله الوارف، إلى من أغدقتني حباً ولم تجادل، إلى الروح التي أغرقتني حتى باتت ذراعاها النجاة، وحنانها وحكاياتها المسائية ونور وجه الصبح في محياها الملجأ.. إلى التي سمّيتها منذ الميلاد أمي وإن كانت لأمي هي الأم، هي الجدة في المسمّيات، وفي قانون الأعوام التي عشتها «أمي».
إلى المرأة التي حكت لي قصص الصديقات وأيام الفقر والحاجة، فكان التآلف بين البشر اختصاراً للنجاة والاستمرار في البحث عن سبل المعيشة في كل مكان، في تلك الأيام التي ارتحلوا فيها حتى كانت لهم ذكريات في الخليج وربوعه.
إلى يد لم أطقْ رحيلها، فكسر حرفي وصار جوفي خاوياً لا يمدني بمد يسعف وجعي وقلة حيلتي في أن أعيد الوقت الذي مضى.. اللهم لا اعتراض.
 إليها وهي تحمد الله، وتذكر حين أخبرتها أن الصمود حلها ولا يمكن لفكرة الرحيل أن تكون بيننا فهو فراق مر لا يطيقه قلبي ولا روحي تستسيغه، فكان الوعد والله قضى أمره. إليك أمي وأنتِ امرأة عاشت لتعطيني من قوتها، من صبرها، ومن إصرارها، صورة جميلة بأننا في هذه الدنيا ليس لنا سوى الله، وأننا مهما تعلقنا فلن نعيد حبيباً رحل أو قريباً فارق، هي الدنيا بين كفينا تنساب في لحظة وإغماضة عين.
إلى أمي «جدتي»، في صورتها الأخيرة قبل 11 شهراً، وأنا أنظر إلى كم الأدوية في يديها تقطر رويداً علّها تسعفها بعد رحمة الله بنجاة، وتعيدها بيننا معافاة تسقينا شهد وجودها.. إلى أمي وهي التي ربّتني ومشت معي مشاوير المدرسة، حملت حقيبتي واليوم لا أدري كم تحملت فكرة أنها رحلت دونما حقيبة سوى طهرها.
أمي أخبرك: نحن بخير، لكننا في اشتياق وارتقاب، لعل حلماً يحملك إلينا في طيات الغفوة والمنام، لعلها تلك الدعوات تقرئك منا السلام وكلمات لم تقل، لعلها دمعة نعتذر عنها تنزل بين الفينة والفينة يعتصرها وجع أن محياك غاب، لعلها السويعات الأخيرة التي لا تزال في ذاكرتنا، وأنت تسألين عن فلان ووصيتك التي لم نفهمها وقتها، إليك أمي صوتي المبحوح الباكي، في صورة من إنسانة تكتب وتخبرك، لا يزال اليراع صامداً يريد بوحاً حد السماء، ولا تزال سجادة الصلاة تختبرني في كل دعاء لك بالبكاء.
إليك أمي «جدتي» السلام والدعاء وحب الله وابتلاؤه، إليك وإلى من رحل مثلك في وباء «كورونا»، كل التحية فقد كنتم أقوياء تصارعون عدواً لا نعرفه، ومازلنا وأنا أكتب لك أماه لا ندري كيف الغد، نامي في مرقدك عند الله الرحمن الرحيم.

عن الكاتب

مؤلفة إماراتية وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة الخليج، وهي أول إماراتية وعربية تمتهن هندسة البيئة في الطيران المدني منذ عام 2006، ومؤسس التخصص في الدولة، ورئيس مفاوضي ملف تغير المناخ لقطاع الطيران منذ عام 2011

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"