عادي

«الاستقرار الاستراتيجي».. خروج من عنق الزجاجة

23:29 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب المحرر السياسي
تتسارع الأحداث على المسرح العالمي في بيئة تنذر بمخاطر نشوب نزاع أبعاده مبهمة ونتائجه غير مضمونة، ما يفسر مسارعة بعض الأطراف لطرح مبادرات للخروج من عنق الزجاجة.

آخر تلك المبادرات صدرت عن الصين التي أعلنت عن استعدادها لأول مرة للدخول في مفاوضات حول الاستقرار الاستراتيجي العالمي، وهو مفهوم شامل تندرج تحته قضايا متشابكة وذات مستويات مختلفة من الأهمية الاستراتيجية، وتحتل مواقع مختلفة على سلم أولويات هذه الدولة أو تلك، من الدول النووية الخمس المعنية بالحوار حول الاستقرار الاستراتيجي الموعود.

معلوم أن أحد المطالب الرئيسية للإدارات الأمريكية كان إشراك الصين في مفاوضات الحد من انتشار الأسلحة غير التقليدية، تلك المفاوضات التي قطعت أشواطاً بين موسكو وواشنطن. إلا أن الصين على ما يبدو لا ترغب في دخول حلبة المفاوضات من نافذة موسكو ولا تحت عباءتها، وتخطط لفرض شروطها فيها من خلال احتوائها أو احتضانها وتفصيل أجندة أعمال المفاوضات بما يتناسب مع مكانتها على المسرح العالمي التي باتت مصدر قلق لواشنطن قبل غيرها.

وقد تطرق الحوار بين الرئيسين الصيني شي جين بينج والأمريكي جو بايدن، في قمتهما الافتراضية التي عقدت في نوفمبر الماضي، إلى مسألة الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي، كل من مفهومه الخاص، وسط حرص الطرفين على الابتعاد عن تعكير صفو القمة بالتعنت في فرض الرؤى الخاصة.

من جانب آخر أجرت بكين مشاورات مع الجارة الروسية عام 2019 حول تعزيز وحماية الاستقرار الاستراتيجي العالمي، ثم أكد الجانبان عليه مجدداً في آخر قمة افتراضية عقدت بين زعيمي البلدين في ديسمبر الجاري.

تقاسم المصالح

وينبع إصرار واشنطن على إشراك بكين في مفاوضات الحد من انتشار الأسلحة النووية في إطار الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي، من يقينها بمدى التهديد الذي بات تطوير الأسلحة الصينية يمثله في المنافسة على الهيمنة وتقاسم المصالح عالمياً خاصة في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ. وعلى مدى الأشهر الستة الماضية، تم الكشف عن ثلاثة أمور مهمة من قبل معلومات استخباراتية مفتوحة المصدر تظهر توسعاً كبيراً في الترسانة الاستراتيجية الصينية، إلى جانب ما توقعه تقرير وزارة الدفاع الأمريكية حول الصين بأنه سيكون لديها 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

وقد أعلن مستشار الأمن القومي جيك سوليفان قبل شهرين أن الولايات المتحدة والصين ستبدآن «مناقشات حول الاستقرار الاستراتيجي». بالإضافة إلى ذلك، تتعاون الولايات المتحدة والصين في إطار «عملية الدول الخمس الكبرى» بشأن شفافية العقائد وتقليل المخاطر النووية في الفترة التي تسبق مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في يناير 2022.

إلا أن أحد أبرز الاختلافات اليوم فيما يمكن اعتباره حرباًَ باردة جديدة، هو سرعة وتيرة الصراع. وتعد إدارة التوترات المتزايدة مع أحد الخصوم وطمأنة الحلفاء تحدياً دائماً للولايات المتحدة. وقد شكلت سرعة وتيرة الصراع جزءاً كبيراً من إدارة الحرب الباردة حيث لم يكن لدى أي من الطرفين حافز لاستخدام الأسلحة النووية أولاً، وهو ما أصبح أكثر تعقيداً مع تطور التقنيات العسكرية لدى كل الأطراف بما في ذلك الصين.

رؤية أكثر مرونة

من هنا يبرز التكيف مع الحد من التسلح، كأداة لتعزيز الاستقرار الاستراتيجي، وهذا يتطلب رؤية لإدارة الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي أكثر مرونة، ومصممة خصيصاً لإدارة الأزمات وتعزيز التحالفات.

يمكن أن يلعب الحد من التسلح دوراً مهماً عن طريق تقليل الحوافز لتحقيق التفوق الاستراتيجي أو الحصول على ميزة الضربة الأولى. ونظراً للمعدل السريع للتغير التكنولوجي، دخلت الولايات المتحدة والصين بالفعل في المنافسة، والتي غالباً ما تكون مدفوعة من قبل جهات فاعلة خاصة بدلاً من الدولة. لذلك، قد تركز المفاوضات من أجل استقرار سباق التسلح على الحد من التطبيقات أو العمليات المحددة لتقنيات قد تكون محفوفة بالمخاطر بشكل خاص، مثل استخدام الأتمتة في صنع القرار النووي أو الهجمات الإلكترونية على القيادة والسيطرة النووية.

وما يقلق الأمريكيين في مبادرة الحوار الجديدة هو أن الصين لا تملك نفس إرث أو ثقافة الحد من التسلح التي لدى روسيا، كما أن خبراتها في المشاركة في حوارات الحد من التسلح وإجراءات بناء الثقة وأنشطة التحقق لا ترقى إلى المستوى الروسي.

لذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تظل منفتحة على الحوار وأن تشجع مشاركة الصين في أنشطة الحد من التسلح والحد من المخاطر، مثل مبادرة الشراكة الدولية للتحقق من نزع السلاح.

ويمكن أن تتعاون الولايات المتحدة والصين في تدابير الحد من المخاطر، لا سيما في سياق «عملية الدول الخمس دائمة العضوية»

وقد أصبح الحد من المخاطر موضوعاً لأنشطة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في السنوات الأخيرة. يمكن لهذا التعاون أن يقدم مساهمات متعددة نحو تقليل مخاطر تصعيد الأزمة، وإرساء الأساس لمزيد من الحوار بين الولايات المتحدة والصين دعماً لمبادرة الاستقرار الاستراتيجي التي ينادي بها الجميع ومن بينهم الصين، ولا يزالون مختلفين حول آليات الحوار وجدول أعماله.

«الخطوط الساخنة»

ويجب أن يصبح الحد من المخاطر موضوعاً منتظماً للنقاش على جدول أعمال المجموعة بعد مؤتمر المراجعة في يناير 2022. وقد تعمل الولايات المتحدة والصين، على سبيل المثال، على دمج الصين في «الخطوط الساخنة» الحالية ومراكز الحد من المخاطر النووية، أو بناء قنوات جديدة للاتصال في وقت الأزمات.

وسوف يتطلب الحد من التسلح غير المتكافئ إبداعات خاصة لتحديد طبيعة التبادلات غير المتكافئة أو قنوات دمج التقنيات غير النووية والناشئة، وبالتالي توفير فرصة لاتفاقيات إقليمية بشأن القوات النووية متوسطة المدى.

لا شك في أن دعوة الصين لحوار حول الاستقرار الاستراتيجي سوف تحرج الولايات المتحدة أمام حلفائها الذين تمت طمأنتهم خلال الحرب الباردة بتبني «الناتو» نهج المسار المزدوج لتحقيق التوازن بين الردع والانفراج، حيث انخرط في حوار مع السوفييت واستكشف فرص التعاون، لكنه حافظ على رادع نووي موثوق طمأن الحلفاء الأوروبيين. وهناك حاجة إلى نهج مماثل اليوم في المحيطين الهندي والهادئ.

وبانتظار ردود فعل الدول المعنية بالمبادرة الصينية، لا تلوح في أفق العالم اليوم مؤشرات على أن الدعوة إليها ملحة، أو أنها قد تسفر عن تغييرات في المواقف بين الدول التي تنادي بالاستقرار الاستراتيجي العالمي أو تسعى لتحقيقه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"