عندما يفقد العالم الإيديولوجيا

00:07 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

هل يمكن أن يصل العالم، دولاً ومفكرين وأحزاباً وقادة ومنظومات اقتصادية، إلى لحظة تغدو فيها الأيديولوجيا من الماضي؟ فمنذ بداية التاريخ المعلوم للإنسان، أي تاريخ الصراع بين الجماعات، كانت الأيديولوجيا حاضرة بطريقة أو بأخرى، وأحياناً حاضرة إلى درجة تخفي كلّ ما عداها، من مصالح وطموحات وأزمات وتناقضات، بل إن العالم في فترات معينة من تاريخنا المعاصر كان يتنفّس أيديولوجيا، فالحرب الباردة، التي تلت الحرب العالمية الثانية، وامتدت حوالي نصف قرن، كان سلاحها الأشهر هو الأيديولوجيا؛ حيث إن الشعار الذي رفعه الاتحاد السوفييتي هو النضال ضد الرأسمالية، أما شعار أمريكا والغرب فكان محاربة الشيوعية، والنضال من أجل الحرية، وقد بنى الفريقان تحالفاتهما انطلاقاً من التقارب الأيديولوجي، ما قسّم العالم بين شرق يدور في فلك موسكو، وآخر يدور في فلك واشنطن، إلى أن أعلن ميخائيل جورباتشوف، آخر رئيس سوفييتي، نهاية الاتحاد السوفييتي، وبالتالي غياب أكبر ممثل عالمي للأيديولوجيا الشيوعية.

 في عزّ الحرب الباردة، وانحياز الدول الأوروبية الغربية لواشنطن، كان اليسار الأوروبي حاضراً بقوة، وهو يسار متعدّد، لكن تياراته تتقاطع فيما بينها في الكثير من القراءات، بما فيها بعض القراءات الأيديولوجية، لكن من ينظر اليوم إلى لوحة اليسار في أوروبا، سيجد تراجعاً في الحضور والقوة، وأيضاً في إمكانية إيصال ممثليه إلى البرلمان أو الرئاسة، وهذا التراجع، في جزء كبير منه، يمكن أن يفهم على ضوء تراجع الصراع الأيديولوجي العالمي، المترافق مع تحوّلات العولمة، والثورة الصناعية الرابعة، يضاف إليه، أن معظم التجارب التي تبنّت الاشتراكية في نسختها التقليدية، أصابها الإخفاق، خصوصاً مع تحوّل معظمها نحو الشمولية.

 التعريف التقليدي للأيديولوجيا، يجعل منها مجموعة أفكار وتصوّرات للواقع، تتضمن مجموعة من القيم، يعتقد معتنقوها أنها الخير الأفضل لمجموعة بشرية حزبية أو وطنية أو قومية أو حتى للعالم ككل، وتبرّر لهم في الوقت نفسه انصياعهم لهذه الأفكار والدفاع عنها، بل والقتال من أجلها إذا ما لزم الأمر. لكن هذا التعريف التقليدي، يقابله تعريف آخر، يقول إن الأيديولوجيا هي وعي زائف بالواقع، غير ذي صلة بالعلوم والمعارف، ولا يقوم على تحليل منهجي للمعطيات، لكن مهما كان الاتفاق أو الاختلاف حول تعريف الأيديولوجيا، فإن المعضلة تكمن في أن المصالح لا يمكن أن تكون عارية تماماً، وهي بحاجة إلى غطاء أيديولوجي، يستر قسوتها وخشونتها، ويجعل دفاع البشر عنها ممكناً، إذ لا يمكن لأي دولة أو شعب أو جماعة سياسية أن تبرر سياساتها، خصوصاً في مواجهة أطماع الخارج، إلا من خلال أيديولوجيا ما، تجعل منها الخير مقابل الشر.

 ثمة شكوى قائمة اليوم لدى حلفاء واشنطن، تتمثّل في عدم وجود يقين حول أيديولوجيا واشنطن، وهذه الشكوى تتضمّن سؤالاً مبطّناً هو: ما هي المصالح التي يمكن أن تكون واشنطن مستعدّة للقتال من أجلها؟ وبهذا السؤال عَنونت مجلة «ذا إيكونومست» البريطانية غلاف أحد أعدادها الصادرة مؤخراً، والذي أثار نقاشاً واسعاً حوله من زوايا عديدة، ربما كان أهمها سؤال افتقاد واشنطن لرافعة أيديولوجية لسياساتها، خصوصاً أن «قمة الديمقراطية» التي عقدها الرئيس الأمريكي جو بايدن في نهاية العام الماضي، لم تخرج بنتائج واضحة وملموسة، في تحديد مسار واضح للدفاع عن الديمقراطية في العالم، ولا يمكن للمراقب أن ينسى أن هذه القمة أتت بعد الانسحاب المربك لواشنطن من الساحة الأفغانية، وعودة «طالبان» إلى الحكم مرّة أخرى، بعد أن أهدرت حكومات واشنطن المتعاقبة الكثير من الأموال والمقدّرات، بالإضافة إلى خسائر بشرية في صفوف قوّاتها، من أجل تحقيق «الحرية والديمقراطية» في أفغانستان.

 في الصراع الدائر اليوم بين أمريكا والغرب من جهة، وبين روسيا من جهة أخرى، حول أوكرانيا، تبدو أيديولوجيا الطرفين غير مقنعة، فواشنطن وموسكو تتحدثان حول هذا البلد بلغة المصالح المباشرة، مع محاولة تغليف هذه المصالح بشعارات أيديولوجية، لا يبدو أن الهدف منها الإقناع، بقدر ما يبدو دورها تجميلياً، لكنه في الآن نفسه، وبدرجة ما، يبدو ضرورياً، خصوصاً كلّما لاحت نُذر المواجهة المباشرة، فالموت من أجل المصالح يحتاج إلى تبرير أخلاقي، لا يجد مستنداً له إلا في الأيديولوجيا ولغتها الحماسية، التي تناسب قرع طبول الحرب.

 هل سنشهد في العقد الراهن، أو العقود القليلة الماضية، غياب الأيديولوجيا عن السياسة بشكل تام، أم أن العالم سيتمكّن من إيجاد أيديولوجيات أخرى؟ فالصراع على المصالح والنفوذ وتبرير الحروب السياسية أو المعارك، بما فيها السيبرانية، قد لا يكون ممكناً من غير الأيديولوجيا.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"