«ما تشوفون شرّ»

00:01 صباحا
قراءة دقيقتين

مطر على الأشجار. مطر على الشرفات. مطر على وجوه أطفال جيراني الرّوس ولا يكفّ رجل العائلة الأشقر الممتلئ عن السلام علينا: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ومع تحية الإسلام تحية من قلبه مرسومة على وجهه الإنساني، وهو على دينه، وأنا على ديني، في وطن أديان، ولغات، وحضارات، وتسامح ومحبة.
ماذا أريد أكثر من ذلك وأنا آخذ فنجان شاي وأقف في الشرفة وأتأمل المطر، وأتأمل أيضاً يومي الخامس في «كورونا»؟
في خمسة أيام فقط انتهيت من الفيروس الذي أصابني في ليل الأربعاء الماضي. وبكلمة فيها شيء من زهو الكاتب انتصرت على «كورونا» وعلى الحمّى التي رافقتها بالناس، وبالحياة، وبالكتابة والقراءة. الناس أولاً. الإنسانية أولاً. وأولاً الصداقة، صداقة القارئ الذي لا تعرفه، وإذ به يقف فوق رأسك وفي يده خرقة بيضاء نظيفة مبلّلة بماء بارد، ويفردها على جبينك، قائلاً لك بلهجته الإماراتية الشعبية القلبية الرجولية: «ما تشوف شرّ». هكذا أرسل إليّ وليد الزعابي هذه العبارة التي عادلت كل علب الأدوية القريبة من رأس السرير. وما حاجة الإنسان للدواء، إذا كان القلب الإنساني البشري في حجم بلاد؟ «كورونا» ليس وباءً بالمعنى الشرّير في الذاكرة إذا كان حولك ناس وأبناء ناس ووطن ناس. هذه سيدة عظيمة من هذا الوطن العظيم. نبيلة من أهل هذا الوطن النبيل لم تتوقف عن السؤال: ماذا تريد؟ ماذا ينقص عليك من حاجيات وأشياء، والأجمل من ذلك عبارة الخاتمة باللهجة الإماراتية مرة ثانية: «ما تشوف شرّ».
أخي، وصديقي، وجاري في الصحيفة، وزميل قلمي في جريدتنا «الخليج» منذ التسعينات وحتى خط هذه السطور: د. حسن مدن يهاتفني عند ظهيرة أمس من البحرين. أشعر بدفء الكلمات في الهاتف، وقد تحوّلت إلى شرائط بيضاء نظيفة مبلّلة بالماء البارد، وتمر على جبهتك مرور المطر على شجرة نخيل.
لا ننتصر على «كورونا» فقط، بالمستشفى، والدواء، والعزل، و«البانادول»، بل ننتصر عليه أيضاً بالناس. بالمحيط أو بالحيّز الاجتماعي، والثقافي، والنفسي، والوجودي الذي يقع فيه ضحية هذا الفيروس المخادع الشرّير. فيروس المرض، وفي الوقت نفسه ما يُحدثه في الفرد وفي المجتمع من حقل واسع للتأمل، والقراءة، أقصد قراءة الحالة المرضية، ومواجهة واقعيتها تماماً، وتقبّل هذه الواقعية بشجاعة ونبل.
لا تأخذ على خاطرك، ولا تحزن، إذا وجدت نفسك وحيداً، وابتعد عنك أقرب الناس إليك، بل لا تحزن اذا لم يتصل بك أيضاً أقرب الناس أو أقرب الزملاء أو أقرب الأصدقاء.
ما الفائدة من الإصابة ب«كورونا» غير احتمالية التحصّن التلقائي من الفيروس إذا لم تتعلم من الإصابة شيئاً من التسامح ورقة الخاطر، وعفو الرّوح؟
هناك جانب أخلاقي مهم جداً عليك أن تنتبه إليه في حالة تعرّضك للفيروس لا سمح الله، وهو التسامح، ثم التسامح، والعفو عن أي تقصير، فالإصابة في حدّ ذاتها باعث طبيعي وتلقائي على الخوف، حتى الخوف من التكلم في الهاتف.
«كورونا» ليس سهلاً وليس مزحة «فهو مؤنث وهو مذكر» من الناحية الهذيانية الحموية والحّمائية، «ولكنه، ولكنها» ليس أسطورة، وليست معجزة. انتصر عليه بالحياة. انتصر عليه بالناس، والمطر..
«ما تشوف شرّ».
غداً أواصل…
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"