الحوثي.. وصناعة الموت

00:12 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

عندما يلهو المراهقون من أعضاء الميليشيات بوطنهم فوق أمواج محيط أعمق بكثير من قدرتهم على سبر أعماقه، فعندئذ ينبغي ألا نعجب، أو نذهل إذا رأينا اليمن تتداعى وتنهار غارقة في بوتقة الإرهاب والشراسة والطغيان، لأن أعمال الحوثيين كأعمال كل الطغاة، انفلتت من رقابة الضمير وضوابط العقل، ولا عجب في ذلك، إذ يلغي المتطرفون أي وجود للشعب اليمني، ويسقط القناع ويتحلل من قواعد الأخلاق وقيود مسؤولية العقل، بل إن اغتصاب السلطة يحرق كل شيء في لجج العدمية والطغيان، وتكريس الاستبداد وامتهان كرامة البشر. لذلك يتمادى الحوثي في صناعة المزيد من الخراب والدمار لليمن ولشعبه الذي أصبح أكثر من ثمانين في المئة منه يعيشون تحت خط الفقر، ويحتاجون إلى مساعدات دولية عاجلة.

  ولو أن تلك الجماعة المتمردة احتكمت إلى صوت العقل والضمير، ولو أنها نزلت عند الإرادة الدولية، لتراجعت عن غيّها وصلفها، وقبِلت بالحل التوافقي الذي يرضى به جميع اليمنيين، لكنها أصّرت على طغيانها وعدوانها، وأرادت أن تأخذ اليمن بكل ما فيه، من بشر ومقدرات، أسيراً لمصلحة أجندات إقليمية تخفي تحتها مشاريع جديدة لتغيير هوية المنطقة، وحاضرها ومستقبلها.

  وعندما قررت دول التحالف العربي التدخل في اليمن، فإنها فعلت ذلك من أجل الحفاظ على أمن هذا البلد، وحماية شعبه، والمحافظة على وحدة أراضيه. ونتائج هذا التدخل توضح بلا أدنى ريب أنه قد قطع الطريق بشكل نهائي على المتمردين، ومنعهم من السيطرة على كامل اليمن، كما أن العمليات الأخيرة الناجحة في شبوة كشفت أن جماعة الحوثي قد أصبحت منهكة، حيث إنها تراجعت ذليلة عن تلك المحافظة، ما فتح الطريق أمام القوات الحليفة  لفك الحصار عن مأرب التي كان يحاصرها الحوثي، بهدف السيطرة عليها، مع ما تمثله تلك المدينة الكبيرة من إرث حضاري، وقوة بشرية كبيرة، وموارد اقتصادية ضخمة. وبسبب شعور الحوثي بالذل والهزيمة، فقد أراد أن يبعد الأنظار عنه قليلاً، فأرسل طائرات مسيّرة لتضرب أهدافاً مدنية في العاصمة أبوظبي، وهذا الاعتداء يُعد جريمة بشعة، واعتداء لن يمرّ من دون رد.

  إن هذا السلوك أكبر بكثير من أن يكون حتى مغامرة محسوبة، لأنه فعل مصيري، ولا تجوز البتة المغامرة في القضايا المصيرية لأنها تعني المغامرة في مصير الأمة. ومن دون شك، فإن العدوان على أرض الإمارات من قبل أولئك الإرهابيين، لن يمر من دون عقاب، ولدى الإمارات جيش قوي يصنّف ضمن أقوى الجيوش العربية، وهذا الجيش  سوف يلقن تلك الجماعة الدرس تلو الآخر، ولن يزيد ذلك الإماراتيين سوى المزيد من العزم والتصميم حتى يتم قهر تلك الجماعة المارقة، وإنزالها عند الإرادة العربية والدولية. 

 على جماعة الحوثي أن ترضى بالحل الذي ترضى به الأطراف اليمنية الأخرى، ويوافق عليه المجتمع الدولي، فلا مشكلة معها عند ذلك، لأنه لا أحد من العرب يريد القضاء بشكل كامل على تلك الجماعة، التي تُعد جزءاً من النسيج اليمني، بل إن الهدف هو القضاء على المشروع الإقليمي الذي تحمله، وعلى الفكر الذي تنادي به. 

والأمة ماضية نحن مستقبلها، ولو كره الكارهون، ولا مكان للحوثي في اليمن إلا كطرف سياسي مع غيره من الأطراف الأخرى، أما أن يحتكر اليمن ويعتقله فهذا ما لا يجوز أن يقع أبداً، ولن ترضى به دول التحالف، ولا المجتمع الدولي.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"