على أيّ كوكب نعيش؟

00:13 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

ترسّخت ملامح مركزية العولمة/السلطة، على الأرجح، في الولايات المتحدة من دون إثبات واضح لهذه المقولة-الفرضية، إلاّ في الفكر العالمي الملحّ في تحديدها بالقطبية الجاذبة للأجيال الشابة من بلدان العالم، وأقصى طموحهم الهجرة إلى أمريكا. وصار يُنظر إليها بوصفها المجتمع العالمي الأول، ومنبع الإيديولوجية العالمية المحتملة، حيث فرص النجاح والثروة وحرية الفرد وسيادة الشعب. 

 هذا واقع قد نصادفه كل يوم، ومثلنا العديد من شعوب العالم. وفي المقابل، هناك دعوات أمريكية تقول بانتفاء المركزية وحلول شمسيّة المعلوماتية مكان القوة التقليدية، أو الإرثية. في الخلاصة، تؤكد هذه الأفكار سقوط استراتيجيات القوة لتقوم مكانها ديناميات الجماعة العالمية في خلق الأفكار والأسواق، وإدارة الأزمات، وحسن هندسة التعاون الدولي في الميادين الاتصالية على مستوى الكرة.

 وما البرهان القاطع على انتفاء سيادة الدول سوى التذكير بهذا النص الأمريكي، بعنوان «اعذرني يا محمّد»: «على أيّ كوكب تعيش أنت. إنك تتكلم عن المشاركة في العولمة كأن ذلك يتضمن خياراً متاحاً لك. العولمة ليست خياراً، وإنما حقيقة واقعة. يوجد اليوم سوق عولمة واحدة، لا حدود لها في المستقبل، والطريقة الوحيدة الممكن أن تنمو فيها هي اللجوء إلى أسواق السندات والأسهم للحصول على الاستثمارات وبيع ما تنتجه مصانعك في أسواق العالم التنافسية. عظمة العولمة هي أن لا أحد سيسيطر فيها لأن أسواقها تشبه الإنترنت... لا مركز لسيطرة أمريكا ولا للقوى الكبرى، ولا لي أنا».

 جاء هذا النص المهم جواباً لوزير مالية أمريكا روبرت روبن Robert Robben على رئيس جمهورية ماليزيا، مهاتير محمد، منذ ربع قرن، (أيلول من عام 1997)، خلال الاجتماع السنوي لمجلس المصرف الدولي وممثلي صندوق النقد الدولي الذي عُقد في هونج كونج. يومها هاجم مهاتير محمد، بشراسة، مظاهر العولمة والانحدار الأخلاقي في تعامل القوى الكبرى التي كانت خلف الأزمات الكبرى التي عانتها بلدان جنوبي شرقي آسيا، بسبب دفعها إلى فتح أسواقها للمتاجرين بالعملات والأسهم والسندات، ما دمّر اقتصاداتها، وجمّد إمكاناتها التنافسية في العالم. وأثار هجومه ابتسامات الحاضرين، وهزالهم، معلّقين بأنّ ما حصل في جنوبي شرقي أسيا سيكتسح العالم. أسأل بدوري اليوم، بعد الاعتداء الحوثي الآثم على الإمارات: فعلاً على أيّ كوكب نعيش اليوم؟

 يمكنني تشبيه سوق العالم الحاضر بقطيع إلكتروني يضمّ متاجرين مجهولين بالعملات والأسهم والسندات والمصارف، وكل ما يخطر ببالنا، يجلسون أمام الكومبيوتر ولا يعترفون بالظروف الخاصة لأية دولة، أو مواطن، وإنما بقواعدهم وجشعهم وتكديسهم للثروات والمآسي والإفقار، كأنها قواعد منسقة إلى حد بعيد. يحدّدون نسبة الادّخار والسرقات التي يفترض تحقيقها على حساب دولتك وشعبك، ومستوى الفوائد ونسبة عجز الموازنة للناتج القومي من دون القدرة على اللحاق بهم، أو محاكمتهم وعتابهم. ولهذا نسأل:

 من هو «صاحب» الدّولة الفعلي اليوم في أية بقعة؟ قد لا يعنيني السؤال مباشرة سوى عن لبنان، وبعض الدول العربية، حيث لا جواب. من هو الذي يبذر حبوب الخراب والكوارث المتروكة أو المُفاجئة في أحيان كثيرة في بقعٍ حضارية لامعة وناهضة على الخريطة العالمية بالتعاون مع الغرب، لكنها تبدو ملجومة ومحروسة ومهددة من الخارج في أي لحظة؟

 يجدر بنا الرّبط بين الانهيارات العامة المتنقلة التي نشهدها مع الألفية الثالثة بتلمّس واضح لاعتداءات مرذولة ومقصودة، أو منظّمة في لبنان، كما في أعرق بلداننا العربية المتألقة بمعاصرتها ونهوضها العمراني والحضاري، لكنها تبقى عرضة لاعتداءات، لا، ولن تُصدّق كأنها أفلام سينمائية. يمكننا تحديدها وفهمها عقلانيّاً لأنها تكون دائماً خارجية دولية مجهولة، وشبه معلومة كما يظهر، وتكون أيضاً إقليمية لها علاقة مباشرة بالتحولات الباهرة والنجاحات المشرقة التي تعنينا جميعاً كعرب، عندما يصبح التطور السريع أداة للاعتداءات الفعلية لمن يمارسها.

 بصراحة، لم نعد نعرف أحياناً أين تبدأ الأمور، وأين تنتهي، ولا نجد إطلاقاً تبريرات لما حصل، ويحصل من اعتداءات وهجومات لا يمكن توقعها، رافضين بالمطلق، مضامينها ومقاصدها وأهدافها، لأنك تجد نفسك ومحيطك في هذا العالم الفجّ القاسي والدموي بلا ألف ولام، أي من دون تعريف، وهوية واضحة، سوى حال من الضياع والتشويش الدولي المنظّم والمدروس الذي يبحث عن التأسيس وفقاً لمصالحه وأهوائه وأرباحه وأسواقه، إلى حدود اعتبار العبث بمسائل خطرة جداً يجب تطويقها قبل حصولها كي لا تكون عبثاً، وألعاباً لزجة في دوائر القرار العالمي. لقد تداخلت الأشياء والأفكار والأذهان والمقاصد فالتبست واختلطت، وبانت كأنها تخرج من لا تناهيها في المنظومة الدولية إلى لا تناه في الفوضى التي تبيض من أعشاشها المظلمة المفاجآت.

[email protected]

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"