الفلسفة السياسية معياراً

00:18 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

يُقارن علم الاجتماع السياسي بين المجتمعات من خلال تحقّق عدد من المفاهيم في الواقع، وإذا كان التقدّم هو أحد أهم المفاهيم المعيارية، نظراً لكونه - بشكل أو بآخر- مفهوماً عملياً، إلا أنه أيضاً يخضع لمرجعيات نظرية محدّدة، مثلما يخضع لما يسمى «روح العصر»، أي تلك السمات التي تفرض نفسها عالمياً في كل حقبة زمنية، وفي زمننا الراهن، تعدّ العولمة بنظامها المعرفي وسماتها وقيمها، على سبيل المثال لا الحصر، هي روح عصرنا الحالي، وبالتالي فإن التقدّم اليوم مرتبط بمدى تمكّن الدول والمجتمعات من الانخراط في منظومة العولمة، لكن هذا المقياس وحده يمكن أن يقودنا إلى التضليل، فجودة الحياة اليومية في كل مجتمع خاضعة لشروط خاصّة، هي شروط الدولة ونظام الحكم، ومن دون طرح الأسئلة الجوهرية حول طبيعة الدولة ونظام الحكم، فإن الكلام عن التقدّم من خلال نظام العولمة يصبح- تقريباً - بلا أي معنى حقيقي.

 إن ميل علم الاجتماع السياسي، في أحد أوجهه، للمقارنة بين المجتمعات والدول، تقابله مخاوف كثيرة لدى العاملين في هذا الحقل من الوقوع في أسر نموذج معين، فتاريخ الدول والمجتمعات يحكمه الاختلاف في السياقات، ودرجة التطوّر، وبناءً عليه، فإن الاحتكام لنموذج معين، قد يعدّ خللاً في المقارنة، لكن من ناحية أخرى، يمكن اعتماد طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم كمرجع معياري، وهذه العلاقة هي فعلياً ما تسمى «الفلسفة السياسية»، والتي تتضمّن مجموعة الأسئلة الضرورية والفعلية التي يجب على المجتمع، بصفة عامّة، أو فئات محدّدة، بصفة خاصّة، أن يقوموا بطرحها على الحكم، بوصفه نظاماً وعلاقات سلطة ومدوّنة قوانين ونتائج، وتشكّل مستويات الحرية والمساءلة جزءاً لا يتجزأ من فهم مستوى تقدّم الفلسفة السياسية لمجتمع ما، وأيضاً مقياساً لطبيعة عمل النظام السياسي ودينامياته.

 يعرّف الفيلسوف وعالم السياسة الأمريكي المعاصر ديفيد ميلر الفلسفة السياسية بأنها «تحقيق في طبيعة الحكومة»، حيث إن المسؤولية الأولى والأكبر عن حياة المجتمعات تقع على عاتق حكوماتها، ولئن كان هذا التعريف، بما فيه من اقتصاد وتكثيف، لا يخدم كثيراً الكشف عن طبيعة التطوّر الاجتماعي التاريخي، وتأثيره في أنماط الحكم، لكنه يقدّم آلية مرنة وممكنة لقياس جودة الحكم في لحظة تاريخية محدّدة، كما أنه يقلّل من شأن الأيديولوجيا التي يستند إليها الحكم، وتجعل علاقات السلطة قابلة للقياس، عبر مواضيع تمسّ بشكل مباشر حياة الناس، خصوصاً فيما يتعلّق بالاقتصاد ومستوى دخل الفرد وطبيعة الخدمات التي تقدّمها الحكومات وجودة التعليم، وغيرها من المواضيع التي يمكن قراءة مؤشراتها من دون صعوبات كثيرة.

 تقودنا الفلسفة السياسية كمعيار إلى ثنائية الحكومة الخيّرة والحكومة الفاسدة، لكنها أيضاً تطرح سؤال فاعلية المجتمع، أي دوره فعلياً في صناعة الحكم، فهي من هذا الباب، تفترض أن الناس يمتلكون مستوى من الحرية في تقرير مصير طبيعة نظام الحكم، وبالتالي فإن الحكم ليس مسألة جبرية نهائية، بل مسار من مسارات تطوّر الفلسفة السياسية، أي مقدرة المجتمع على تغيير الحكومات، وهو افتراض ينطلق، نسبياً وجزئياً، من تاريخ تطور الليبرالية الغربية، ونظامها السياسي الديمقراطي، حيث يمكن للمجتمع، عبر أشكاله التمثيلية، السياسية والمدنية، أن يقوم بتغيير الحكومات، كما يمكن له أن يحاسبها أثناء فترة عملها، أو حتى يحاكم مسؤولي هذه الحكومات بأثر رجعي، وهو ما تؤكّده الكثير من المحاكمات التي تجري لزعماء سياسيين غربيين من مستويات مختلفة بين فترة وأخرى.

 إن التقدّم بوصفه تعبيراً عن حيوية النظام الاجتماعي الاقتصادي، يصبح من وجه نظر الفلسفة السياسية مرتبطاً بمدى قدرة النظام السياسي على إتاحة الفرصة أمام المجتمع، ليلعب دوراً في تحديد نظام الحكم، ومدى حيوية المجتمع في تنظيم مصالحه، عبر أشكال تمثيلية سياسية ومدنية، لكن كل هذا يفترض أن الدولة نفسها قد خطت خطوات كبيرة في مسار المواطنة، بحيث إن التمييز أصبح واضحاً بين الدولة وبين السلطة، ما يعني بالضرورة أن السلطة/ الحكومة ليست الدولة، وأن تغيير الحكومات، في حال عدم فاعليتها، هو أمر ضروري، وممكن، في سياق دستوري وتنفيذي يحمي هذا الحق، من دون أن يمسّ باستقرار الدولة.

إن اشتراط الفلسفة السياسية كمعيار في المقارنة بين الدول والمجتمعات أمر في غاية الأهمية، لكن من دون إبقاء هذا المعيار معزولاً عن حقائق أخرى لا تقلّ أهمية، وفي مقدمتها حقيقة التشكّل التاريخي للسياق الاجتماعي الاقتصادي الموجود في المجتمع الذي نقوم بإخضاعه للمقارنة مع المجتمعات التي أنجزت تطوّراً ليبرالياً، انعكس في مجمل مناحيه السياسية والمجتمعية والحقوقية.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"