ذروة الرحيل

00:13 صباحا
قراءة دقيقتين

قبل عام، في مثل هذا اليوم الذي رحلت فيه جدتي، صادف أنني وعائلتي كنا في ممرات المستشفى منذ نهاية يناير إلى أن رحلت، كنا نشاهد الكثيرين ممن يعانون مرضاً مجهولاً في طبيعته، وماهية ما يصيب. مرض لم يخلو بيت منه اليوم اسمه «كوفيد19»، لم يكن هناك أي معيار لسن أو صحة أو أسلوب حياة ما، كان يهاجم الكل من دون هوادة، بدايات التطعيم انطلقت في نفس الوقت؛ علّها كانت ترحم الكثيرين من ألم الأجهزة والأدوية التي وإن عالجت كانت تقتل في أجسامهم عافية الراحة والهدوء.
 لمن لم يدرك بعد، الفراق صعب، ولا أحد يعترض، لكن التجربة التي عاشها الأطباء، ويعيشونها حتى الساعة في صمت يؤدون من خلالها أسمى حالات الإنسانية، هي تجربة مؤلمة، قاسية حينما تحمل نبأ إلى عائلة عن رحيل أغلى ما تملك: الأم، الأب، الجد، الجدة، الأخ، الأخت، الابن والابنة، إلخ.
تلك الساعات الطويلة، وأنت ترتدي كل تلك الطبقات العازلة التي تحرمك من حق أن تلمس من لم يحرمك حنانه، كانت أمي «جدتي كلثوم» تلهث بالدعاء لنفسها وجيرانها المرضى، كنا في غرفة العناية المركزة المملوءة بالأجهزة والأدوية، وخوف البعض، حولها، بملابسنا التي كانت شبه حاجز قاسٍ، كانت لا تدرك ما بها في بداية عزلها، إلى أن فاجأتنا يوماً بأنها تعرف أنها مصابة، وطلبت أن يقل عدد زوارها؛ خوفاً عليهم، كانت شجاعة تقاوم، وتوصي خيراً بمن تحب، أحست بموعد الرحيل، لكنها كانت تمسك أيدينا وتقول «لا تتركوني»..! 
وكم هنالك أشخاص مثلنا وقفوا خلف الزجاج ولا يزالون، يرتقبون أمل العودة وأمل أن يُشفى هذا الذي هو كالدنيا بالنسبة إليهم، الأعمار بيد الله «ولكل أجل كتاب»، ونحن هنا بأسباب ونرحل بأسباب وحكمة لا يدركها إلا الله. هذا العام ولله الحمد ونحن في وقت ذروة الرحيل، انخفض عدد الإصابات وقلت الوَفَيات وإن كان الرقم (1) يساوي الآلاف فهي أرواح غالية، لنا جار يرقد في العناية، ندعو الله له بالشفاء، ولنا في هذه الحياة أغراب خلقهم الله مثلنا، لهم حق الحياة ندعو لهم بالنجاة والعافية.
اليوم، وإن كان لا يزال يزورنا «كوفيد-19»، إلا أننا بخير لأننا بعد توكلنا على الله أخذنا بأمر أولياء أمرنا، كان التطعيم الحل ولم نتوانَ، ولمن يفكر إلى الآن أقول: طاعة ولي الأمر واجبة، وقبلها إن كنت خائفاً فلقد علمنا ديننا بأن نصلي صلاة استخارة نسأل الله أن يلهمنا فيها طريق الصواب، وهل بعد إرشاد الله لك من مشورة؟! 
لا أحد يدرك معنى الرحيل وكيف يكون، لكن أن نحفظ أنفسنا لمن يحبنا واجب علينا، وأن نحفظ من نحب أهم واجب في الحياة، إلى جدتي في يوم رحليها، وذكرى وفاتها هي وكل من رحل بسبب هذا المرض، نحن ندرك أنكم عند الله بإذنه شهداء مكرمون، لكم تدعو كل البشرية، فأنتم رمز الحياة الباقية في قلوبنا، وقد اشتقنا لكم.
[email protected]

عن الكاتب

مؤلفة إماراتية وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة الخليج، وهي أول إماراتية وعربية تمتهن هندسة البيئة في الطيران المدني منذ عام 2006، ومؤسس التخصص في الدولة، ورئيس مفاوضي ملف تغير المناخ لقطاع الطيران منذ عام 2011

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"