العالم وتحديات ما بعد الأزمات الراهنة

00:49 صباحا
قراءة 4 دقائق

د.إدريس لكريني

تحيل الأزمات إلى محطات قاسية تعبّر عن خلل يطال بنية ما، تحدث بصورة فجائية وتثير قدراً من الارتباك والخوف في أوساط المجتمع. كما تضع صانعي القرار أمام موقف ضاغط يتطلب اتخاذ قرارات حاسمة في وقت قياسي في سباق مع الزمن، لمنع خروج الأمور عن نطاق التحكم والسيطرة.

  وبغضّ النظر عن أنواعها ومسبباتها، تتباين انعكاسات وتداعيات الأزمات تبعاً لخطورتها ونطاقها الجغرافي والزمني وللخطوات المعتمدة والاستراتيجية المتخذة في تدبيرها، وقد أسهمت التطورات التي شهدها العالم على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية في تعقد الأزمات، ما أصبح يفرض تطوير سبل التعاطي معها.

  عادة ما تنصبّ عملية تدبير الأزمات على اختلاف أشكالها وخلفياتها، على ثلاث مراحل أساسية، تتركز في مرحلة ما قبل اندلاع الأزمة، عبر الاستعداد المسبق لكل الاحتمالات بكل جاهزية وثقة بالنفس، ومرحلة حدوث الأزمة، التي تقتضي تقييم الوضع وإحداث خلية للتعامل معها بكل كفاءة واقتدار، ثم مرحلة ما بعد الأزمة، وهي محطة مهمة وحاسمة، تقوم على تقييم الوضع، والوقوف على الاختلالات التي غذّت الأزمة، وكذا تلك التي رافقت إدارتها في المرحلتين السابقتين، ثم الاستمرار في تدبير الأزمات الفرعية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية.. التي تمخضت عنها، وعلى وضع استراتيجيات كفيلة بمنع تكرار التجربة القاسية في المستقبل.

  وضعت جائحة كورونا العالم أمام محك حقيقي، فرض إعادة النظر في الآليات المعتمدة في تدبير الأزمات، فالجائحة تنطوي على أخطار حقيقية شاملة وعابرة للحدود، لم تتوقف تداعياتها على المجال الصحي، بل أفرزت مجموعة من الإشكالات والانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.. التي رهنت الحاضر كما المستقبل. حيث فرضت على كل الدول وبغض النظر عن اختلاف إمكانياتها وقدراتها، اعتماد تدابير قاسية لم يشهد لها العالم والإنسانية مثيلاً حتى في أوقات الحروب العالمية الطاحنة.

  فيما أفرزت الأزمة الروسية - الأوكرانية في بداياتها وقبل أن تتحول إلى تدخل عسكري مباشر، مجموعة من الأزمات الفرعية التي يمتد أثرها إلى المستقبل، سواء على المستويات الأمنية أوالاقتصادية أوالسياسية أوالاجتماعية.

  وتبرز التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة وعدد من وكالاتها كمنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية وغيرهما من الهيئات والمؤسسات الإقليمية والدولية، أن الحرب الجارية في أوكرانيا - وبغض النظر عن خلفياتها وآثارها الميدانية الآنية - ستكون لها انعكاسات خطرة ستمتد إلى المستقبل، وخاصة على مستوى الأمن الغذائي، وارتفاع أسعار النفط والغاز ومختلف المواد الأولية، وتزايد حدة النزوح القسري بحثاً عن فضاءات آمنة، فيما يؤكد عدد من الباحثين والخبراء الاستراتيجيين أن هذه المحطات القاسية وما تلاها من تحولات ومتغيرات، ستمثّل منطلقا لخلخلة موازين القوى القائمة في النظام الدولي .

  كما هو الشأن بالنسبة لكل الأزمات، أفرزت جائحة كورونا مجموعة من الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي رافقت تمددها وتطورها على امتداد مناطق مختلفة من العالم، حيث تباينت المقاربات في هذا الخصوص من بلد إلى آخر، ففي الوقت الذي نجحت فيه بعض الدول في التحكم بالوباء عبر اعتماد عدد من التدابير والإجراءات الصارمة التي وصلت إلى حد الإغلاق وفرض الحجر الصحي، علاوة على توظيف التكنولوجيا الحديثة بشكل مكثف، لم تتمكن أخرى من تطويق الخطر، ما خلف عدداً كبيراً من الإصابات والوفيات، وخسائر اقتصادية كبيرة وأخرى سياسية أفضت إلى رحيل عدد من الزعماء من السلطة.

  أما فيما يتعلق بالتدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، فقد خلف بدوره انعكاسات دولية وإقليمية، أخذت اهتماماً متزايداً في أوساط صانعي القرار الدولي، وعدد من المنظمات الدولية، بحكم الوزن الإقليمي والدولي الذي تحظى به القوى المعنية بهذا النزاع بشكل مباشر أو غير مباشر.

  إن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة في خضم الأحداث، والآثار المختلفة الناجمة عن هاتين المحطتين، يتمحور حول ما إذا كان المجتمع الدولي واعياً بحجم انعكاساتهما المستقبلية على الأمن والسلم الدوليين بمفهومهما الشامل؟ وهل يمتلك بالفعل، تصورات وآليات تسمح بتطويق هذه الآثار؟

 إن الأزمات والحروب التي يشهدها العالم وعلى قساوتها، تمثل محطات مناسبة للتأمل ومراجعة الذات، بصورة تضمن تحويلها من خطر إلى فرص لإطلاق العنان للابتكار والاجتهاد، والاستفادة من التجربة وتحصين المستقبل.

   إن العالم مقبل على كثير من الإشكالات والتحديات التي تفرض نهج العمل الجماعي في إطار تكتلات كبرى، ثم توخي اليقظة والحذر، على مستوى التهديدات الجدية التي باتت تواجه الأمن الغذائي، والتي تتطلب البحث عن سبل ناجعة لزيادة الإنتاج الزراعي وضمان تزويد الأسواق الدولية في المناطق المهددة بسوء التغذية والمجاعات بالحاجيات المطلوبة في هذا الشأن.

   وقد تأكد مع مرور الوقت وتزايد النزاعات والأزمات المعقدة، أن العالم أصبح بحاجة ماسة أيضاً إلى مراجعة الآليات الدولية التقليدية المعتمدة في مجال إدارة الأزمات والنزاعات، عبر استيعاب التطورات الكبرى التي طالت مفهوم السلم والأمن الدوليين، وإصلاح الأمم المتحدة ودمقرطة عملها.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"