فرنسا بين النيوليبرالية واليمين المتطرف

00:26 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

تنفّست أوروبا الصعداء بعد صدور نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وفوز الرئيس إيمانويل ماكرون بولاية ثانية، فهذه الدورة من الانتخابات لم تكن تعني فقط الفرنسيين؛ بل الاتحاد الأوروبي على وجه العموم، ودوله الأساسية (ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا) على وجه الخصوص، فخسارة ماكرون لو حدثت، فما من أحد في أوروبا لديه أي يقين بالطريق الذي كانت ستسلكه المرشحة للرئاسة عن اليمين المتطرف مارين لوبان، تحديداً بما يتعلق بخروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي، وهو أحد أبرز النقاط التي تصدّرت برنامجها الانتخابي، لكن نتائج الانتخابات التي أعطت لوبان أكثر من 40% من أصوات الفرنسيين، ليست سوى جرس إنذار لما وصلت إليه الحال في أوروبا؛ إذ إن الناخبين الذين منحوا لوبان أصواتهم، كانوا قد صوّتوا ضمناً للخروج من الاتحاد الأوروبي.

 فئة واسعة من الفرنسيين، الذين يحقّ لهم الانتخاب، امتنعت عن الإدلاء بصوتها، وقد وصلت نسبة هذه الفئة إلى نحو 28% من إجمالي الناخبين، وهي نسبة غير مسبوقة في تاريخ فرنسا منذ عام 1969، في إشارة واضحة إلى يأس قطاعات واسعة من الشعب الفرنسي من حدوث أي تغييرات حقيقية، بغضّ النظر عن الرئيس المقبل، خصوصاً بعد تفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية في السنوات القليلة الماضية، والتي شهدت احتجاجات كبيرة، قام بها أصحاب «السترات الصفراء»، إضافة إلى الاحتجاجات المتتالية للمزارعين، والزيادة الكبيرة في التضخّم، إثر جائحة كورونا أولاً، ومن ثمّ الحرب في أوكرانيا، ما جعل القدرة الشرائية للمواطنين تتراجع بشكل حاد.

 الأزمة الفرنسية التي تجلّت بالصراع بين الرئيس ماكرون، الذي يمثل قطّاعات المصارف ورجال الأعمال والمؤسسات المالية، ولوبان، زعيمة اليمين المتطرف، تعكس أزمة التيارات السياسية التقليدية الرئيسية، سواء اليسارية أم اليمينية، ليس فقط لعدم امتلاكها برامج واضحة تلامس الناخب الفرنسي، أو افتقادها لقيادات صاحبة حضور مؤثر؛ بل أيضاً لأن الطبقة الاقتصادية المالية لم تعد راغبة في دعم هذه التيارات، فقد أصبحت هذه الطبقة أكثر تلاحماً مع مصالح شركائها العولميين، وأكثر ابتعاداً عن الطبقات الشعبية، أو البرامج التنموية الوطنية، إضافة إلى هيمنتها الواسعة على مختلف قطاعات الإعلام، بما فيها كبريات الصحف العريقة.

 الفرنسيون، كمعظم شعوب أوروبا الغربية، والدول الإسكندنافية، يعدون أن الدولة هي الراعية لأكبر منجزات نضالهم التاريخي؛ حيث يعدّ تدخّل الدولة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً وتهميشاً السبب الرئيسي في الاستقرار الاجتماعي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تؤمّن برامج الرعاية الصحية مساواة كبيرة بين المواطنين، بعيداً عن تفاوت مستواهم الطبقي، كما تمنع برامج الرعاية الاجتماعية انزلاق الملايين إلى ما دون خطّ الفقر، لكن منجزات دولة الرعاية، تعرّضت إلى تراجع في تمويلها وبناها التحتية، في الوقت الذي توسّعت فيه الهوّة الطبقية بين المواطنين.

 قد أتاحت العولمة إمكانات سريعة للاستثمار ما فوق القومي، وأنتجت شكلاً اقتصادياً جديداً، بلا أهداف اجتماعية مباشرة، فالاقتصادات الرأسمالية القومية (في إطار بلد واحد)، هي جزء من التفاعلات الاجتماعية والسياسية، ولا يمكن أن تكون معزولة عن الفئات الاجتماعية، أو السياسات الحكومية، وهو الأمر الذي تغيّر بشكل كبير مع موجة العولمة التي تصاعدت منذ تسعينات القرن الماضي، والتي أتاحت نمو الثروات بشكل غير مسبوق، ما ولّد تياراً فكرياً/ سياسياً نيوليبرالياً، يسعى إلى تقليل تدخّل الحكومات في السوق إلى أبعد حدّ ممكن، وتقليل الدعم المقدّم إلى برامج الرعاية الاجتماعية.

 في فرنسا، وخلال الفترة بين 2009 و2020، ازدادت ثروات كبار الأغنياء في فرنسا نحو 439% (بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ الأمريكية)، في الوقت الذي لم يعرف الحد الأدنى للأجور ارتفاعاً يتناسب مع موجات التضخم المتتالية، وهو ما ترافق مع تراجع القوى السياسية التي تبنّت تاريخياً النضال من أجل أوضاع أفضل طبقياً؛ حيث يشهد عموم اليسار الفرنسي أزمة كبيرة، وهو ما أوضحته نتائج الانتخابات الحالية؛ إذ لم يتمكن الحزب الاشتراكي من إحراز أكثر من 2% من أصوات الناخبين.

 قد لا تكون الأزمة الراهنة في فرنسا سمة خاصة بها؛ بل ربما أزمة أوروبية عامة، لكنها تتجلى ربما في فرنسا بشكل أكثر حدّة، نتيجة بعض العوامل التاريخية، من مثل وجود أجيال من المهاجرين؛ حيث برزت حالة انقسام حول مفاهيم المواطنة والاندماج والخصوصية الثقافية، والتي يستفيد منها اليمين المتطرّف في تبني أجندة وخطاب قومي متعصّب، لكن من الناحية السياسية، لم يكن بإمكان اليمين المتطرف الحصول على قاعدة شعبية واسعة، لولا حدوث تراجع عام ومؤثر في الحياة الاقتصادية والمعيشية للمواطنين، الذين أصبحوا مجبرين على اختيار نيوليبرالية سيئة، لتجنّب خيارات مجهولة ليمين شعبوي متطرّف.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"