الحرب في شهرها الثالث

00:17 صباحا
قراءة 3 دقائق

سليمان جودة

مع دخول الحرب الروسية على أوكرانيا شهرها الثالث، بدأت عملياتها من الجانب الروسي تأخذ اتجاهاً لم تكن تأخذه منذ البداية. 

 هذا الاتجاه هو بدء الجيش الروسي بقصف خطوط إمدادات السلاح القادمة من الغرب إلى أوكرانيا ، سواء كانت قادمة من أوروبا، أو كانت قادمة من الولايات المتحدة الأمريكية.. وهذا في حد ذاته توجه لم يكن موجوداً، ولا كان حتى مطروحاً حين اندلعت الحرب.

 ولم تأخذ موسكو هذا التوجه الجديد على نحو مفاجئ، ولكنها من قبل أن تأخذه كانت أرسلت سفيرها المعتمد في واشنطن يطلب من إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، التوقف عن مد الجيش الأوكراني بالسلاح، ويحذر من عواقب الاستمرار في إرسال شحنات الأسلحة إلى أوكرانيا. 

  ولكن الواضح أن ما قام به السفير لم يكن له رد فعل على الأرض أمريكياً، بل إن العكس تقريباً هو الذي حدث، وهو الذي جرى في أرض الميدان. فبعد تحذير السفير الروسي بساعات، كان وزيران أمريكيان في زيارة معلنة إلى العاصمة الأوكرانية كييف، وكانت لهما صورة مع الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، جرى نشرها في كل وسائل الإعلام. 

  ولم يكن الوزيران الأمريكيان أيّ وزيرين، ولكنهما كانا الوزيرين الأهم في الإدارة الأمريكية، فكان الأول هو أنتوني بلينكن، وزير الخارجية، وكان الثاني هو لويد أوستن، وزير الدفاع. 

  ولا يخفى على أحد أن وجودهما بالذات في أوكرانيا يظل له معناه، وهذا المعنى ليس سوى أن واشنطن قررت أن تلقي بكل ثقلها خلف أوكرانيا، وهي لا تلقي بثقلها الدبلوماسي فقط، كما قد نفهم من زيارة الوزير بلينكن وحده، ولكنها تلقي بثقلها العسكري أيضاً، وتعلن من خلال زيارة الوزير أوستن أنه جاء يسأل الأوكرانيين عما يحتاجون إليه في الحرب من معدات وسلاح، وأنه سوف يوالي إرسال ما يحتاج إليه جيش أوكرانيا في حربه مع الجيش الروسي. 

  وما يحدث من جانب الولايات المتحدة، يحدث مثله وأكثر من جانب دول الاتحاد الأوربي السبع والعشرين، التي تظل أقرب بكثير إلى ميدان العمليات من أمريكا، والتي تظل الأشد تضرراً بأي عواقب، أو تداعيات لهذه الحرب، الآن، أو في المستقبل. 

  وحقيقة الأمر أن الحرب يوم بدأت لم تكن بين أوكرانيا من ناحية، وبين روسيا من ناحية أخرى، لكنها كانت في حقيقتها بين الروس من جانب، وبين الأمريكيين والأوربيين وحلفائهم من الجانب الآخر. كانت كذلك منذ لحظتها الأولى حتى ولو كان كل طرف راح يتجاهل هذا، ولا يتوقف عنده طويلاً. 

  والذين تحدثوا منذ البداية عن أن الحرب العالمية الثالثة قائمة بالفعل، بين روسيا وبين الولايات المتحدة وأوروبا وحلفائهما، لم يكونوا يبالغون في شيء، لأنه ليس من الضروري أن تأتي الحرب الثالثة على غرار الحرب الثانية، أو الأولى في القرن الماضي، وإنما من الوارد أن تقوم في شكل مختلف  وأن تكون حرباً عالمية عصرية بمقاييس وأدوات العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، لا حرباً بمقاييس العقد الثاني أو العقد الرابع في القرن العشرين، كما كان حال الحربين السابقتين في وقتيهما. 

  وإلا.. فما هي الحرب العالمية الاقتصادية إذا لم تكن هي هذه العقوبات الغربية المفروضة بقوة غير مسبوقة على الروس في كل مكان وفي كل مجال؟

  ما أحوج عالمنا المعاصر إلى أن يمنح السلام فرصة بين الروس وبين الأوكرانيين، وما أحوج العالم إلى أن يرى أثراً في القريب المنظور للزيارة التي قام بها إلى موسكو أنطونيو غوتيريس، أمين عام منظمة الأمم المتحدة ، للمرة الأولى منذ بدء الحرب.. فهذه منظمة قامت لحفظ الأمن والسلام الدوليين، ولم يكن السلام الدولي مهدداً، ولا كان الأمن الدولي مهدداً  كما هما مهددان في هذه اللحظة. 

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"