معنى عودة اليسار الأمريكي

00:22 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

في بلد مثل أمريكا، معقل الرأسمالية، وأكبر قوة اقتصادية عالمية وعولمية، تشهد النقابات العمالية حراكاً جديداً، بعد أن كان هذا الحراك ضعيفاً وشبه غائب، لما يقرب من خمسة عقود، ومؤخراً، بدا واضحاً أن زخم الحركة العمالية الجديدة يتصاعد في الشركات العولمية الكبرى، خصوصاً شركات التكنولوجيا العملاقة، والشركات العابرة للقارات، وتطرح هذه الظاهرة العديد من الأسئلة، ليس فقط في حقل القضايا الاجتماعية/ المعيشية، وإنما أيضاً على المستوى السياسي العام، واحتكار الحزبين الجمهوري والديمقراطي للنتائج الانتخابية، وتقاسمهما النفوذ في مجلسي النواب والشيوخ، وتحالفاتهما مع رؤوس القطاعات الصناعية والمالية. 

استطلاعات الرأي الحالية، تظهر بوضوح تدني شعبية الرئيس جو بايدن، بمقدار 20% عن شعبيته لحظة توليه الرئاسة، خصوصاً بين جيل الشباب، فعوضاً عن التركيز على القضايا الأساسية للداخل الأمريكي، وفي مقدمتها قضايا التوظيف والرعاية الاجتماعية والقوة الشرائية، انخرطت الحكومة الأمريكية في قيادة الصراع مع روسيا، على الجبهة الأوكرانية، في تراجع عن الشعارات التي أطلقها الرئيس بايدن سابقاً، بضرورة عدم الانخراط في الصراعات، والتي ترجمها بالانسحاب من أفغانستان، لكن الصراع مع روسيا، أوجد تداعياته العالمية بشكل فوري، خصوصاً لجهة رفع مستويات التضخم، بشكل غير مسبوق منذ 40 عاماً، وتأثيرها على أسعار الوقود، وسلاسل الإمداد، وتأمين السلع، والأمن الغذائي.

 بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وما تلاها من ضربات تلقتها الطبقة الوسطى الأمريكية، بدأ يسود شعور من عدم الثقة بالرأسمالية المالية؛ حيث إن النخب المالية الأمريكية المعولمة، أصبحت مهتمّة بعلاقاتها وتحالفاتها العابرة للحدود، أكثر من اهتمامها بالواقع المحلي، وهي سمة عامة لكل النخب المالية في العالم؛ حيث أصبح وجودها الافتراضي (في البورصات، والشركات المالية)، أكبر من حضورها الواقعي في دورة الإنتاج، وأتاحت أدوات الثورة الرقمية ارتباطاً أقوى بين القوى المالية، على حساب الارتباط بالقوى المنتجة للوجود المادي.

 أظهرت حملتي المرشح بيرني ساندرز في عامي 2016، و2020، وجود تجاوب لدى الجيل الشاب داخل الحزب الديمقراطي مع الأفكار اليسارية الاشتراكية، ليس فقط لوجود حاجة نظرية لخطاب مختلف، يقدّمه سياسيون محترفون، من داخل المؤسسة الحزبية العريقة؛ بل لأن المؤسسة الحزبية، سواء أكانت جمهورية أم ديمقراطية، لم تأخذ تحولات الرأسمالية العولمية نفسها على محمل الجد؛ حيث تتسع الفوارق بشكل مخيف بين الطبقات، مع تركيز غير مسبوق للثروات في يد قلّة قليلة من الأفراد والشركات، الذين يقودون شركات من مثل «أمازون»، و«أبل»، و«ستاربكس»، وهي الشركات ذاتها، التي تشهد اليوم، في داخلها، عودة التنظيم النقابي بين صفوف العاملين، وما يعنيه من عودة لظهور يسار أمريكي جديد.

 معظم التحليلات التي ترصد ظاهرة اليسار الأمريكي في حركته النقابية الجديدة، تشير إلى نموه داخل الشرائح الأفقر من الطبقة المتوسطة، وفي المقابل، تنمو أيضاً حركات شبابية راديكالية متطرفة، ذات صلات واضحة مع العقائد الدينية التقليدية في المجتمع، وتبدو هذه الحالة برمّتها، تعبيراً عن أزمة الليبرالية الأمريكية.

 في معظمها، النسخة الحالية من اليسار الأمريكي ليست نسخة ثورية، بمعنى أنها لا تتبنى أفكاراً راديكالية حول النظام الرأسمالي، وفي قلب هذه النسخة، تبدو الحركة الاشتراكية الديمقراطية هي الأكثر حضوراً، بعد أن وصل عدد أعضائها الفاعلين إلى نحو 50 ألف عضو، وما يميّزها هو التركيز على القضايا العملية المتعلقة بتوزيع الثروة، وما يتصل بهذه القضية من مطالب وتشريعات، تحديداً في المجال الضريبي، أو تدخّل الدولة الحمائي، لمصلحة الفئات الأكثر تهميشاً في المجتمع، وإصلاح نظام الرعاية الصحية، وغيرها من القضايا المؤثرة في إحداث عدالة طبقية، تضمن توازن الفئات الاجتماعية.

 هل لعودة اليسار الأمريكي من معنى عالمي؟ أشارت الحرب الحالية في أوكرانيا، إلى التناقضات الكبيرة في النظام الدولي، وفي مقدمتها إمكانية حدوث تضارب بين التوجهات الرأسمالية العولمية وبين التوجّهات السياسية للدول، الأمر الذي من شأنه أن يقلّل من الثقة بالعولمة، وأن يكبح جماحها، ويحد من أنشطتها، وأن يعيد التركيز على الإنتاج القومي، وهو ما يعني إعادة الربط بين الإنتاج والواقع المباشر في كل دولة، وأن انفصال هذا الارتباط، مقدمة لسلسلة أزمات بين الدول، وفي داخل الدول.

 لكن أيضاً، توجد مسألة لا تقل أهمية، وهي أن الليبرالية من دون مضمون تقدمي، تصبح أيديولوجيا فارغة من أي مضمون اجتماعي، ومجرد نظام يخدم الطبقات الأكثر ثراء ونفوذاً، ويساعدها على ديمومة مصالحها ومكانتها.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"