على نهجها الإداري والتطبيقي والعملي منذ ثمانينات القرن العشرين وإلى اليوم، سارعت دائرة الثقافة في الشارقة إلى متابعة وتنفيذ توجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بتنظيم ملتقيات شعرية دورية ومنتظمة في بلدان إفريقية: غينيا، تشاد، السنغال، نيجيريا، جنوب السودان، ساحل العاج، مالي، وقد باشرت الدائرة تنظيم أوّل قراءات شعرية في غينيا قبل أيام قليلة، وفي ملتقى غينيا للشعر العربي قرأ اثنا عشر شاعراً قصائدهم العربية الفصيحة على بحور وزنية عربية عريقة، وبلغة محتفظة بأصالتها البلاغية والجمالية، بأقلام شعراء ممتلئين بتاريخ وذاكرة الشعر العربي، هو الامتلاء الثقافي ذاته بتاريخ وثقافة اللغة العربية، لغة القرآن، ولغة الأدب، ولغة الديوان العربي الحيّ منذ ظهور أبجديتنا الأم وحتى اليوم.
كان واضحاً من تغطيات وسائل الإعلام المتاحة للملتقى الشعري العربي في غينيا فرح الشعراء الأفارقة بهذا الحدث الأول من نوعه في بلدهم وبين أهلهم وذويهم وأصدقائهم. لا بل إن القراءة الشعرية العربية الأولى من نوعها في غينيا بهذا التنظيم والإدارة والتدبير الثقافي هي ليست فقط مجرد قراءة للشعر، بل قراءة استنتاجية لمشاعر إخوتنا وأصدقائنا شعراء الأمسية وسط ثقافتهم ولغاتهم، والأمسية أيضاً بالضرورة هي أمسية احتفاء بثقافتين مرتبطتين بالعديد من الجذور والمرجعيات والأصول: الثقافة العربية، والثقافة الإفريقية.
في الأمسية الشعرية العربية الأولى قبل أيام في غينيا نعوّل نحن العرب، أهل ديوان العرب، على وجود نخب إفريقية غينية من أساتذة جامعات وأكاديميين ومثقفين وكتّاب ولغويين ومعلّمين حضروا الأمسية، وتفاعلوا بروح الصداقة والثقافة والتاريخ مع الشعر المولود من أرواح إفريقية بلغة عربية ويحمل المشتركات القيمية والإنسانية والمعرفية الماثلة في الثقافة العربية، والثقافة الأفريقية.
من خلال النصوص الشعرية التي أُتيح لي متابعتها وقراءتها وقفت أمام خصلة نبيلة في هذه النصوص وهي احترام اللغة العربية، ونظرة الشعراء الأفارقة إلى هذه اللغة نظرة تبجيل واضحة تماماً من خلال التركيز على الوزن الشعري العربي، وبلاغة المفردة، وسلامة المعنى الأدبي والثقافي، كأن القصيدة هي بالضبط هوية شاعرها وامتيازه الوحيد كونه شاعراً إفريقياً يكتب بلغة عربية.
علينا ألا ننسى أيضاً، ونحن نحتفي بالأمسية الشعرية العربية الأولى في غينيا، بتنظيم محترم من جانب دائرة الثقافة في الشارقة، أن العشرات وربما المئات من الشعراء الأفارقة يكتبون أدباً روائياً وشعرياً بالفرنسية والإنجليزية، ومن خلال هاتين اللغتين العالميتين أصبح بعض الكتّاب أعلاماً وعلامات في الثقافات الغربية.
اليوم، تتوازى العربية مع الانجليزية والفرنسية في إفريقيا من باب الشعر.. الشعر الذي يعرف أصدقاؤنا الأفارقة أنه لغة العالم كله، وروح الناس كلهم إذا كُتِبَ بالعربية.
[email protected]