عادي

«يوم أحد على جزيرة».. الفن عين على سلبيات المجتمع

حياة مرفّهة تخلو من الفرح
19:54 مساء
قراءة 4 دقائق
جورج بيير سورا

الشارقة: علاء الدين محمود

الفن يرصد الواقع والحياة الاجتماعية في تقلباتها، وذلك ما فعله الفنان الفرنسي الشهير جورج بيير سورا، «1859 1891»، أحد أبرز مؤسسي المدرسة الانطباعية الجديدة، في لوحته المعروفة على نطاق كبير «يوم أحد على جزيرة»، تلك التي توضح نمط وأسلوب الحياة لدى الطبقات المترفة وترصد الفراغ الكبير الذي تعيشه، ولعل ما يفسر تلك اللوحة أن الفنان سورا قد عاش في فرنسا إبان كومونة باريس عام 1871، ذلك التاريخ الذي أحدث نقلة كبيرة في المجتمع الفرنسي وكان له تأثيره الفلسفي والفكري الكبير على أوروبا والعالم.

ويعتبر العمل إحدى أهم لوحات الفن الحديث، وتمثل بداية الاتجاه الفني الجديد المسمّى ب«التنقيطية»، التي اشتغل عليها سورا، وهو اتجاه فني يكشف عن أبرز سمات الفن في أواخر القرن التاسع عشر، حيث تأثر وقتها الإبداع في مجال الفنون بالتطورات الكبيرة خاصة في ما يتعلق بنظريات اللون، إذ يمنح توظيف الألوان تفسيرات نفسية واجتماعية للعمل، واللوحة في حقيقتها لا تضم مساحة لونية بالكامل، بل تعتمد على نقاط صغيرة بألوان ساطعة ونقية متماهية ومنسجمة يراها المتلقي باللون الذي يريده الفنان، وتعتمد اللوحة في تكوينها على نوع من اللمعان والبريق الضوئي الوهمي الذي يشبه إلى حد كبير حبيبات الفسيفساء اللامعة، وقد استطاع الفنان التعبير عن الضوء وانعكاساته باستعمال لطخات صغيرة متضادة الألوان، والتي يصعب على المشاهد تمييزها إن لم ينظر عن بعد إلى كامل العمل الفني نظرة شاملة، فاللوحة لا تفصح عن محتواها إلا بنظرة كلية لها.

* خلفية

رسمت اللوحة عام 1884، بالألوان الزيتية بدرجات عديدة، وهي نابضة بالحياة وروعة الشمس تغمر البشر الذين يحتلون المشهد في وهج سماوي في منتصف الظهيرة، ويركز الرسام بصورة دقيقة وكبيرة على المناظر الطبيعية للحديقة، حيث بذل فيها جهداً كبيراً عبر جلوسه في حديقة إحدى الجزر القريبة من باريس لمراقبة حركة الزوار من أبناء الطبقة الراقية منتجاً العديد من الرسومات لشخصيات مختلفة من أجل ضمان جودة الشكل وتمامه، وقضى قرابة العامين من أجل إنجازها وكانت النتيجة أن اللوحة وجدت صدى كبيراً من قبل النقاد وجمهور الفن، وأصبحت أكثر أعماله شهرة، حيث اعتبرها النقاد مثالاً رائداً للأسلوب التنقيطي المُنجز على قماش رسم كبير، بل واعتبرت اللوحة علامة فارقة في فن أواخر القرن التاسع عشر لأنها غيرت اتجاه الفن.

* وصف

اللوحة تضم عدداً كبيراً من الأشخاص الذين تظهر عليهم آثار الثراء، وتمثل جوهر وقت الفراغ في الهواء الطلق في المدينة، وفي هذه اللوحة الكبيرة صور سورا ثلاثة كلاب وثمانية قوارب و 48 شخصًا أثناء تجمعهم بعد ظهر يوم الأحد في الحديقة المشمسة، ومن الملاحظات الهامة على مشهد اللوحة الجدير بالذكر أن حجم المرأة والرجل الواقفين في يمين اللوحة يبدو أكبر بشكل ملحوظ من المجموعة الجالسة في يسارها على الرغم من كونهم جميعاً يقعون على نفس البعد من عين المشاهد، والسبب هو أن الفنان أراد من المشاهد النظر إلى اللوحة بالوقوف إلى يمينها، فرسم نسب الأشخاص لتبدو مثالية من هذه الزاوية فقط.

* اهتمام

ظلت اللوحة على الدوام تثير الاهتمام، بل إن بعض المعاصرين من النقاد قد وجدوا فيها نموذجاً يصور حياة البشر في المجتمعات الراهنة؛ حيث ثقافة الاستهلاك واتجاه الطبقات الغنية نحو حياة الترف والترفيه الذي أصبح أسلوب حياة عند الكثيرين، وقد قدم بعض النقاد تحليلاً نفسياً للعمل أشاروا فيه إلا أن الفنان حاول أن يجسد الجشع والطمع واللا مبالاة وكل أمراض العصر، ولئن كان معظم التحليل والتفسير الذي وجدته اللوحة قد جاء شكلياً، فإن بعضاً من الفلاسفة والمفكرين قد اهتموا بتفسير العمل بصورة عميقة، ومن هؤلاء برز المفكر الألماني إرنست بلوخ، والذي أوضح أن اللوحة تحمل إشارات ورموزاً لمعانٍ اجتماعية مستترة تسابق مؤرخو الفنون لاكتشافها ووضع نظرياتهم الخاصة لتفسيرها، حيث إن الفنان أمضى قرابة العامين وهو يراقب الناس ويرسم اسكتشات عديدة لزوار الحديقة المتعددين بلغ عددها قرابة الستين قبل أن ينفّذها، مما حدا بالنقاد إلى الاعتقاد بأنه أراد من خلالها انتقاد مجتمع باريس المملوء بالتناقضات الأخلاقية آنذاك، وأشار بلوخ أن المشهد لا يمثل الوقت الممتع الذي كان يقضيه أفراد الطبقة المتوسطة يوم الأحد، وإنما يمثل الانحلال الذي انتشر في المجتمع، ففي أقصى يمين اللوحة يُظْهِر سورا سيدة واقفة وبيدها وثاق متصل بقرد، حيث إن هواية تربية القرود في ذلك الوقت انتشرت بين محدثي النعمة نظراً لغلاء ثمن القرود واستيرادها من خارج فرنسا، ولفت بلوخ إلى أن اللوحة رصدت التغييرات الاجتماعية الجديدة في باريس آنذاك.

* واقع مرير

ويشير بلوخ إلى أن اللوحة تصور واقعاً مريراً فهي فسيفساء ثابتة من الملل، وتصوير بارع للتوقعات المحبطة لشيء ما ووجوه الأشخاص في اللوحة خالية من التعبيرات يستريحون في المقدمة؛ يتم وضع باقي الشخصيات في الغالب بين أعمدة الأشجار، مثل الدمى في الصناديق، ويمكنك أن ترى من خلفهم نهرًا شاحبًا ويخوتًا، وزوارق تجديف، وقوارب نزهة، وعلى الرغم من تصوير الفضاء الترفيهي، إلا أنه يوحي بالموت فاللوحة تظهر اليأس الخالي من المرح.

التفاصيل التي تحتشد بها اللوحة، جعلت النقاد يختلفون في تفسير مشاهدها إلا أنهم أجمعوا على أن العمل يتحدث عن تحولات اجتماعية وبداية حياة جديدة بقيم وعادات وتقاليد مختلفة عن ما كان في السابق.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/2cndxb9r