السياسة والإنسانية

00:08 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

السياسة في اللغة أتت من الفعل ساس، أي حَكَمَ وتدبّر وأدار. وساس القائد الناس، حكمهم وتولّى قيادتهم وتدبّر أمورهم. والسياسة العامة هي الإجراءات والطرق التي تؤدي إلى اتخاذ قرارات من أجل المجموعات والمجتمعات البشرية، ولا تقتصر على العلاقة بين الحكومات والدول وإدارة العلاقات الخارجية، بل إن تقسيم السياسة إلى داخلية وأخرى خارجية لا يلغي الجانب الإنساني في العلاقات، وأصبح هذا الجانب معياراً مهماً لسلامة العلاقات بين الدول وسمعة دولة ما في المحافل الدولية. 

 السياسة إذن تجاوزت مفهوم المكر والتقلّب والازدواجية، وأستطيع القول إنها تجاوزت قول الشاعر أحمد الصافي النجفي: لا يستقر على السياسة مبدأ/ إن السياسة زئبق رجراج. خاصة أنه أدرج مفردة المبدأ، فالدولة اليوم التي لا تحترم مبادئها أو مبادئ الحقوق العامة كحقوق الإنسان وما تتفرع عنها من حقوق المرأة والطفل وصاحب الهمة والمسن، هي دولة لا تحظى باحترام المجتمع الدولي، بل باتت الدول تخضع للرقيب العالمي، كالمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، ومنظمة حقوق الإنسان، ومنظمة الملكية الفكرية وغيرها.

 وأي تجاوز خطير سيؤدي إلى وقوف المجتمع الدولي ضده والتصدّي له، فعلى سبيل المثال لم يعد مقبولاً التمييز بين الجنسين وممارسة أي نوع من أنواع العنصرية، والأمم المتحدة تؤكد دائماً وتعيد التأكيد على الالتزام بالمساواة بين الجنسين وتعزيز السياسات والبرامج التي تسهم في زيادة وضمان توسيع نطاق مشاركة المرأة بصورة كاملة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أساس من الندّية التامة. وعلى الرغم من أن المبدأ المذكور يبدو تنموياً واجتماعياً إلاّ أنه يقع في صميم القيم الإنسانية التي تقود إلى بناء مجتمع قوي ومتين ومتماسك.

 يحلو للبعض أن يستخدم مصطلح الدبلوماسية الإنسانية ليدرج تحته محاور كثيرة تهتم بالعلاقات المجتمعية داخل المجتمع الواحد، أو بالعلاقات المجتمعية الدولية لتمتين العلاقات الثنائية بين الدول، ولا بد من لفت الانتباه إلى أن أي نشاط دبلوماسي محمول على الإنسانية ويُقصد منه العمل الخارجي، لم يحقّق شرطه القيمي الداخلي، يفتقر للمصداقية، وهذا يقودنا إلى المصطلح الأدبي الذي يقول إن الوصول إلى العالمية يجب أن ينطلق من المحلية، ونجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل للآداب حاز الاعتراف العالمي بأدبه نتيجة تركيزه على البيئة المحلية، وينطبق هذا على السياسة الإنسانية.

 إن قوة أي مجتمع تتجلّى في حكمه بمبادئ العدل والمساواة، ومن هذا المنطلق، نقول إن مجتمع الإمارات العربية المتحدة مجتمع قوي لأسباب كثيرة، أولاً: نتيجة العلاقة الصحية بين الحاكم والشعب، فالقائد في الإمارات أصبح نموذجاً عربياً وعالمياً في المشاركة المجتمعية والتفاعل الإنساني مع أفراح وأتراح وقضايا شعبه، وساهم التواضع الجم في إشاعة الحب بين القائد والشعب. وثانياً: نتيجة تعزيز المساواة بين الجنسين وتحقيق العدالة في دولة القانون، وهذان المحوران، وإن كانا إجرائيين ويتصلان بالحكم كإدارة حكومية وتطبيق قوانين، إلا أنهما معياران يتماهيان مع الإنسانية وقيمها وجوهرها، إضافة إلى تحقيق تنمية حديثة في البنى التحتية هدفها توفير الراحة للشعب، ما يجعلها تنمية إنسانية في المقام الأول.

 ونحن هنا لا نلوي ذراع المعنى لنصل إلى برهنة موقفنا، لأن هدف السياسة الأنقى والأبعد هو توفير الحياة الكريمة الآمنة والمستقرة للشعب، أي الإنسان، أي المواطن، أي كل نفس بشرية تقيم في حدود الدولة، فكيف إذا تجاوز فعل السياسة الإنساني حدود الدولة، اقتناعاً وترجمة للمبدأ والقيمة الإنسانية، سيكون ذلك التجلّي في إدارة شؤون البلاد واتخاذ القرارات. والحديث ذو شجون، ليس عاطفياً وإنما عقلياً ومنطقياً.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"