حاجتنا لمفاهيم الدولة الحديثة

00:07 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

في نهايات القرن التاسع عشر، وكنتيجة من نتائج التفاعل مع الصدمة الحضارية التي أثارتها العلاقة المباشرة مع الاحتلالات الأجنبية، وضع المفكر النهضوي العربي عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902) كتابه الشهير «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، والذي تحوّل مع الزمن إلى كتاب مرجعي في نقاش ظاهرة الاستبداد، بوصفها ظاهرة اجتماعية، يمكن تحليلها، والوقوف على أسبابها، انطلاقاً من رؤية تقول بوجود علاقة جدلية تبادلية بين الحرية والعقل، بحيث يصبح غياب العقل سبباً رئيسياً في غياب الحرية، والعقل والحرية عند الكواكبي مفهومان وميزتان تجاوزتا الفرد إلى عموم المجتمع.

لم يكن ممكناً للكواكبي، ولا لغيره من المفكرين، الذين عرفوا باسم «مفكري عصر النهضة العربي»، أن يقيموا جدلاً عقلياً لمسألة الحرية، ومحاولة فهم ظاهرة الاستبداد، من دون تلك الصدمة الحضارية، التي أتت مع الاحتلالات الأجنبية، وطرحت معها سؤال التقدم، ومسألة التفاوت التاريخي بين الشرق والغرب، ودور العقل والعقلانية في بناء المجتمعات الحديثة، وتوفير سبل النمو للأفراد والشعوب، وفي صميم النقد الذي وجّهه مفكرو عصر النهضة، هناك نقد فكري أساسي لغياب العلاقة التعاقدية في المجتمعات الاستبدادية، والتي تحلّ مكانها العلاقات الاستلابية الهرمية.

 بعد عصر الانتدابات، ومع بدايات نشوء الدول الوطنية في العالم العربي، منذ منتصف أربعينات القرن الماضي، تمّت صياغة مفهوم الدولة الوطنية بدلالة العدو الخارجي بشكل أساسي؛ حيث أتاحت الانقلابات العسكرية في عدد من الدول العربية، وصول نخب أيديولوجية، وضعت نفسها في قيادة الدولة والمجتمع، وهو ما يعني بالضرورة سلب مفهوم التعاقدية من الدولة، وهو مفهوم رئيسي وصميمي من مفاهيم الدولة الحديثة، وجعل الدولة مطابقة لرؤية ومصالح فئة محدّدة من الناس، بعيداً عن شرط القبول، الذي يحدّد مشروعية الدولة الحديثة.

 بذلك، أعادت «الدولة الوطنية» بناء نظام استلاب هرمي، هو بالضرورة امتداد للبنى الهرمية التي كانت سائدة في زمن السلطنة العثمانية، أو في فترة الانتدابات، لكن هذه المرة بأدوات مختلفة، وباستبدال شرعيات تراثية/ دينية بشرعيات أيديولوجية، وجعلت من النسبي التاريخي مطلقاً، فقد تحوّل الحزب والأيديولوجيا والقادة إلى هويّات معصومة عن الخطأ، بينما تحوّل المجتمع إلى فئات تابعة، حتى لو اتّخذت هذه الفئات مسميات حديثة، من مثل الاتحادات المهنية، أو النقابات، أو الجمعيات.

 الخروج من نفق الاستبداد، والانطلاق على سكك التقدم المحتملة والكثيرة، أمر غير متاح خارج نطاق الدولة، فالتاريخ الحديث يتجلى فعلياً في الدولة، والتي أسماها الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل (1770-1831) ب«الروح المطلق للتاريخ»، فكل تعيّنات الصراع البشري، بما فيها صراع الأفكار، هي صراع في فضاء الدولة، كما أن التقدّم البشري، بأوجهه كافة، متضمن في الدولة نفسها، وأيضاً في المفاهيم الحديثة التي تكتسبها الدولة.

 إن الأساس التعاقدي في الدولة الحديثة، هو بالضرورة، تعاقد بين مواطنين (رجالاً ونساءً)؛ إذ لا وجود لهذه الدولة من دون مفهوم المواطنة، الذي يتضمن الحرية والمسؤولية والمشاركة والالتزام، من دون تمييز دستوري أو قانوني بين مواطن وآخر، بحيث تكون مرجعية الحقوق هي مرجعية الدستور التعاقدي نفسه، كما أن منظومة الحقوق تكون هي المؤسسة للواجبات، وليس العكس.

 إن واقع الصدام الذي وقعت فيه، وما زالت، بعض الدول العربية، التي تسودها اليوم اضطرابات، وتتحوّل لتكون دولاً فاشلة، بالمعايير الدولية، يعود إلى عدم قدرتها على المضي بالدولة من دولة الغلبة إلى الدولة الحديثة، أي دولة التعاقدية والمواطنة، وعدم القدرة على فصل مفهومي السلطة والدولة عن بعضهما، وهو ما قاد إلى صراعات، كان من بين أوضح نتائجها، تفكّك الدولة نفسها؛ إذ إنه في محاولة كل طرف سياسي/ اجتماعي الهيمنة على السلطة، يقبع عدم الاعتراف بالآخرين، كشركاء ومواطنين، كما يتمّ إخراج الدولة من بعدها السياسي الحديث، لتكون مجرد مساحة جغرافية للاقتتال على الثروات، وبسط الهيمنة، واحتلال أوسع مساحة ممكنة من النفوذ.

 بالإضافة إلى مفهومي التعاقدية والمواطنة، هناك مفهوم المشروعية؛ إذ إن استقرار الدولة الحديثة يقوم على قدرتها على اكتساب المشروعية، من الأفراد والفئات الاجتماعية، أي من المواطنين أنفسهم، وهذه المشروعية لا تنتمي إلى حقل الأيديولوجيا.

إذا كان نقد النهضويين العرب لتاريخهم وظواهره الاجتماعية نتيجة للصدمة الحضارية، فإن هذه الصدمة تضاعفت أشواطاً، وتضاعف معها حجم العمل المطلوب، للخروج من استبداد نموذج دولة الغلبة، وكتابة تاريخ جديد من قلب الحداثة ودولتها المطابقة لمفاهيمها.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"