الناتو والمواجهة العسكرية

00:27 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

تتجمع سحب سوداء قاتمة فوق أوروبا حاملة بين ثناياها نُذر الموت، وتقشع عنها غيوم الرخاء والنعمة التي عاشتها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى الآن. حيث تُعد تلك الفترة أطول فترة سلام عرفتها تلك القارة في تاريخها الطويل، ذلك التاريخ المملوء بالصراعات البينية، والصراعات مع القوى الخارجية.

 ومع تفشي تلك الصراعات، لأسباب دينية تارة وأخرى مذهبية، وثالثة عرقية وغيرها من أسباب تلك الصراعات، ازدهر العقل، وترعرعت الحكمة، وبرزت الفلسفة، ووُلدت الأفكار العظيمة التي فتحت أمام البشرية آفاقاً كبرى لم يشهد العالم مثيلاً لها من قبل، ومن المؤكد أن هذه المكتشفات لن تُطوى مع اندلاع أية حرب جديدة، بل ربما سيتم مضاعفتها، وكما كانت الحرب العالمية الثانية سبباً رئيسياً لخلق الحياة من المادة عبر تحطيم الذرة، فإن أي حرب قادمة سوف تنجلي عن مكتشفات جديدة تفوق تخيلات العقل البشري في الوقت الراهن.

 وتبدي أوروبا، قارة وشعوباً، استعدادها الكامل لخوض الحرب الجديدة ضد ما يسمى الخطر القادم إليهم من الشرق، وتقف الولايات المتحدة التي ورثت الإمبراطوريات الأوروبية القديمة أوروبا، في طليعة المحرضين لمواجهة تلك الأخطار؛ وأخطرها المهدد الوجودي، الذي يضغط بقسوة ويدفع إلى طريق الآلام، لواقع أكثر عمقاً في الغرب، والذي يتمثل بأنماط شتى مرتبطة بالمصائر الإنسانية الأكثر عصياناً على الأوروبيين بعد أن أسهموا في رسالة التنوير وتأسيس الأطر الأخلاقية لحماية البشرية من المرجعية الطاغية، والنظريات الاستبدادية المتخلفة، بعد أن كانوا القوة الدافعة لكل تقدم في الحضارة، ونشر المكونات الأساسية للحداثة الفلسفية والعلمية بمذاهبها.

 الآن تقف أوروبا على مفترق طرق بين ماض يقودها للدفاع عن قيمها التي ناضلت من أجلها، وبين امتهان الكرامة وفرض الرأي، ومحاولة جر أوروبا إلى الإذعان والرضوخ لمقتضيات القوة. 

في هذه الأجواء انعقدت قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في العاصمة الإسبانية مدريد الشهر الماضي. وقد شكلت الحرب في أوكرانيا محور القمة، وقال أمين عام حلف شمال الأطلسي:«إن الناتو سيحدث تحولاً في قوة ردعه» البالغة 40 ألف جندي، ويزيد عدد قواته ذات الجاهزية العالية «إلى ما فوق» 300 ألف جندي. وقد اعتبرت روسيا هذه القمة عدائية تجاهها، وتوعدت بالرد على أي إجراء يتخذه الحلف في أوروبا.

 والواقع أن القمة هي نتاج طبيعي للتحشيد العسكري الغربي ضد روسيا، وقد كان انعقادها من أجل تحقيق إجماع الدول على هذا الهدف. 

والواضح أن دول الناتو أبقت على سياستها السابقة تجاه أوكرانيا، وهي سياسة الدعم العسكري والمالي فقط دون التدخل في العمليات العسكرية، وقد يكون ذلك لجس النبض، وربما لكسب الوقت من أجل التحضير والتجهيز لمواجهة عسكرية قد تكون حتمية ضد الخصم الروسي.

 في الحقيقة لم يكن الغرب يريد فترة سلام قصيرة مع روسيا إلا لتحجيم قوتها وترويضها، ورغم أنه تمكن من تحويل كثير من الدول التي كانت تابعة لها إلى أعداء، لكنه لم ينجح في ترويضها هي نفسها، وعندما فشل في ذلك بدأ يستخدم أوكرانيا كرأس حربة للعبث بأمنها، ما دفعها إلى الهجوم على أوكرانيا. وعند ذلك قطع الغرب جميع حبال الود معها، وأعلن العداء الصريح لها، والاستعداد لشن الحرب عليها.

 لكن يبدو أن روسيا ليست هي المستهدفة فقط؛ بل ستكون الصين هي الجائزة الكبرى بعد القضاء على روسيا أو إخضاعها، لأن الصين تسابق الزمن لتتبوأ عرش القطب الثاني الذي ينافس الولايات المتحدة على زعامة العالم، وهي تسعى سعياً حثيثاً لذلك، وقد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلمها.

 لذلك تحاول الولايات المتحدة مع حلفائها من حلف الناتو، ومعهم أعداء الصين التاريخيين كاليابان وكوريا الجنوبية.

 إن عصر السلام الدولي يوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومن ثم ستصبح البشرية أمام عصر من الحروب الجديدة التي تختلف عن سابقتها كمّاً وكيفاً، لذا فإن العالم أجمع بات يقف أمام مهوى سحيق لا قرار له. تُنسف فيه المبادئ والقيم، وتتحول فيه هيئة الأمم المتحدة من قطب دولي يحظى باحترام جميع الدول إلى مجرد وسيط دولي بين الدول المتصارعة، وعندما نصل إلى تلك الحقبة فإن ذلك البناء الدولي بات حبراً على ورق، ولن تقوم له قائمة إلا بعد انتهاء الحروب العتيدة، وتَشكّل قوى جديدة أو سيطرة قطب أوحد على القرار الدولي، وبناء سلام جديد، في عالم جديد.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"