الصين وبحرها الجنوبي

00:38 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

تعمل الصين على تحديث جيشها لمواجهة تحديات العولمة، أما التحدي الحقيقي فيكمن في المسائل الإقليمية التي لم تسوَّ بعد، ومنها الحدود البحرية وحماية المصالح الصينية المعولمة التي تتطلب وجود سلاح بحرية قوي. 

 وقد أدركت القيادة الصينية أن استعادة قوة جيش التحرير الشعبي، وتحوله إلى جيش حديث جاهز للمعركة، هما أمران ضروريان لمشروع تحديث الأمة الصينية؛ حيث تسعى الصين إلى فرض سيطرتها الكاملة على بحرها الجنوبي، والذي له امتدادات تصل حتى إندونيسيا والفلبين وحتى فيتنام وماليزيا وسنغافورة وبروناي، وهذا البحر هو شريان الحياة لها للتواصل مع مغرب الأرض، فالطريق الآخر الذي يمر عبر المحيط الهادئ غير سالك؛ لأنه بيد الولايات المتحدة، ويمر عبر مناطقها أو مناطق الدول الجزرية التابعة لها.

 وقد شعرت الصين بأهمية هذا البحر وضرورة أن يكون تحت سيطرتها الكاملة، عندما قررت الولايات المتحدة اعتبارها «خصماً استراتيجياً» فبدأت بتطبيق سياسة «التوجه شرقاً» منذ سنوات. بهدف محاصرتها ومنعها من التحول إلى منافس يهدد زعامة الولايات المتحدة وسيطرتها على القرار العالمي.

 وقد بدأت الصين بإنشاء بعض الجزر الاصطناعية في هذا البحر لاتخاذها قواعد عسكرية وللإنذار المبكر، ومن ثم سعت للسيطرة على أرخبيل من الجزر المرجانية التي تدعى «سكاربورو شول» (قبالة الساحل الفلبيني) ما دفع الفلبين، إلى التقدم بدعوى ضدها لدى محكمة التحكيم الدولية الدائمة في لاهاي، والتي أصدرت حكمها عام 2016 ضد مطالب الصين بالسيادة على تلك الجزر. وقد رفضت الصين هذا الحكم، وقال مسؤول صيني رفيع المستوى، إن للصين الحق في إنشاء منطقة دفاع جوي على الأراضي التي تقول بسيادتها عليها في منطقة بحر الصين الجنوبي. وقال الرئيس الصيني شي جين بينغ:«إن سيادة الصين على الأراضي، وحقوقها البحرية في البحار لن تتأثر بقرار المحكمة على أي نحو».

 وقد أعادت الصين في بيان حكومي بشأن قرار المحكمة، تأكيد ادعاءاتها بشأن الأراضي في المنطقة والحدود البحرية. وكانت الصين قد أنشأت منطقة دفاع جوي على أراض متنازع عليها مماثلة في بحر الصين الشرقي، مطالبة جميع الطائرات المارة في المنطقة باتباع قواعد معينة، وأن تعلن عن خطط طيرانها وهوياتها. وهي تخطط لإنشاء منطقة دفاع جوي مماثلة فوق البحر الجنوبي، من أجل حماية سلاسل التوريد التي تأتي منها من أية هجمات قد تتعرض لها في هذا البحر أو في مضيق ملقا، قبل وصولها إلى المحيط الهندي.

 ويخضع مضيق ملقا للرقابة الأمريكية، حيث توجد قاعدة لمراقبته في سنغافورة المجاورة. ويقدر الخبراء أن 5.3 تريليون دولار من التجارة العالمية تمر عبر بحر الصين الجنوبي، ومعظمها يأتي من الصين، وتشكل الإلكترونيات، التي تعبر هذا البحر، حوالي 84٪ من الأجهزة الإلكترونية في العالم، وأن 85٪ من هذه الأجهزة مصنوعة في الصين. وترى الصين أن هذا الممر المائي سيكون له دور كبير في تنفيذ خطتها الاستراتيجية «حزام واحد، طريق واحد» التي تسعى من خلالها إلى إنشاء شبكة من العلاقات الاقتصادية القوية بينها وبين دول كثيرة في العالم. غير أن العقبة الكبيرة أمامها تتمثل في تايوان التي توجد في بحرها الجنوبي، والتي تحظى بدعم أمريكي هائل، وتقدم نفسها كنموذج ديمقراطي لصين مختلفة، ويتعين على الصين من أجل السيطرة على هذا المسطح المائي الأهم، أن تتخلص من مشكلة تايوان، وإلى الآن تبقى الخطط العسكرية لاستعادة هذه الجزيرة بالقوة، حبيسة الأدراج، وبين فينة وأخرى تنفذ الصين طلعات جوية فوق الجزيرة للتأكيد على أحقيتها في تلك الجزيرة، وأنها، الصين، ستقف عقبة أمام فكرة استقلال تام لهذه الجزيرة، وستغلق أمامها كافة المنافذ، حتى تضطرها إلى العودة إلى حضن الأم.

 ومن دون شك أنه في اللحظة التي ستحكم الصين قبضتها على تايوان، فإن المشروع الأمريكي في بحر الصين الجنوبي سيتلاشى ويزول، ولذلك تركز الصين مجهوداتها الآن من أجل استعادة تايوان، وهو ما قد يحصل قريباً، وبعد ذلك ستعمل على تنفيذ مخططها لتحويل بحرها الجنوبي إلى بحيرة صينية مغلقة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"