أزمة النخب في المشرق العربي

00:21 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

يبدو المشرق العربي أنه من بين أكثر الأقاليم تردّياً في أوضاعه، ليس في الشرق الأوسط فقط، بل على مستوى العالم، وهو يمرّ منذ سنوات بأسوأ مرحلة من مراحل تاريخه المعاصر، خصوصاً على مستوى الدولة، التي تراجعت قدرتها على الحضور والفاعلية، ونمت على حساب هذا المستوى من الغياب قوى أمر واقع، تتحكم بسلطات واسعة، ونفوذ كبير، وموارد مالية مستقلة، وعلاقات خارجية، تتجاوز سيادة الدولة، بوصفها كما يفترض المرجع الأول والوحيد في العلاقات الخارجية مع الدول، وقد تقلّصت هذه المرجعية، ما سمح لقوى الأمر الواقع، من فصائل وأحزاب مسلحة وزعامات سياسية أن تقيم علاقات مع دول في الإقليم أو العالم، بمعزل عن مرجعية الدولة.

 منذ عشرينات القرن الماضي، وحتى سبعيناته، تكوّنت في بلدان المشرق العربي نخب فكرية وسياسية وثقافية واقتصادية، كان لها أدوار بارزة في القضايا المصيرية، متمسكة بمستوى عالٍ من الوطنية، وبحرص شديد على تنمية الحياة العامة، ضمن الشروط الموضوعية لواقعها آنذاك، وعلى الرغم من الأوضاع غير المستقرة التي نشأت بعد رحيل الانتدابات، لكن في مجمل أدائها، كان هناك حضور فاعل للمسألة الأخلاقية، التي ترتّب عنها ضوابط عامة، حكمت الفضاء العام لعمل النخب، بصرف النظر عن التموضعات الأيديولوجية والسياسية لأفراد تلك النخب.

 إن محاكمة الأوضاع التي تؤول إليها مصائر الدول في العالم المعاصر، مرهونة بمحاكمة أوضاع النخب بدرجة كبيرة، وعلى الرغم من أن مفهوم النخبة بحدّ ذاته هو مفهوم حديث نسبياً، يعود إلى نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، إلا أنه أصبح مفهوماً مركزياً في النظريات الاجتماعية والسياسية، وهو يحتل مكانة مهمة في تحليل أوضاع مجتمعات العالم المعاصر، وقراءة أوضاعه السياسية، وما يتفرّع عنها من أوضاع عامة، حيث تلعب النخب، بما تمتلكه من إمكانات مادية، أو ما تحوزه من نفوذ وسلطة، قدرات واسعة على التحكم بالمسار العام لمجتمعاتها ودولها، وبناءً عليه، فإن واقع النخب، وطرق تفكيرها، وسبل تحقيقها لمصالحها، يحدّد موقعها في المجتمع والتاريخ، كما يحدّد موقع ومكانة الدول التي تنتمي إليها.

 وصلت الأوضاع الاقتصادية في دول المشرق العربي إلى حالة كارثية، بما فيها العراق، على الرغم من العوائد المالية الكبيرة لتصدير النفط، والتي تجاوزت في مارس/ آذار الماضي، حاجز 11 مليار دولار، بحسب وزارة النفط العراقية، ومع ذلك، فإن تقارير صادرة عن مؤسسات دولية، بما فيها منظمة الأغذية والزراعة «الفاو»، تشير إلى أن حوالي 40% من سكان العراق، يعيشون تحت خط الفقر، وهذا التناقض الكبير بين العوائد المالية، وبين تمدّد حالة الفقر، يجد تفسيره المنطقي في واقع النخب العراقية الحاكمة أو المتحكمة بإدارة شؤون الدولة والمجتمع، والغارقة في تحقيق مصالحها الخاصّة، وتكريس أوضاع مفككة، تسمح باستمرار نفوذها ومكتسباتها.

 لا يمكن بأي حال من الأحوال، وفقاً لواقع الحال الراهن، قياس وتحديد النخب في المشرق العربي، انطلاقاً من آليات تحديد النخب في الدول الحديثة، إذ تغيب في دول المشرق دورة الإنتاج الطبيعي، التي تسمح بتشكيل نخب اقتصادية اجتماعية، تكون فاعلة في موازنة النخب السياسية، أو حتى أن تقوم في تصعيد ممثلين سياسيين لها، للدفاع عن مصالحها، في البرلمان والحكومة، ففي الدول المشرقية الثلاث، هناك اقتصاد حرب، واقتصاد ظل (اقتصاد لا يدفع ضرائب للدولة، أو غير مشروع)، وهو ما يجعل نمط إدارة الدولة يقوم على المحسوبيات المحاصصة، وهي محاصصة مقرّة في دستوري العراق ولبنان.

 تعتمد النخب الحالية في المشرق العربي على مبدأ الإعاقة، لمنع تشكّل نخب جديدة حداثية، أو الالتفاف على أي حركة مدنية، كما حدث في السنوات الثلاث الأخيرة في العراق ولبنان، حيث تم الالتفاف على الحركتين المطلبيتين في البلدين، عبر تقديم تنازلات جزئية، للتنفيس عن حدّة الاحتقان الشعبي، وفي الوقت ذاته، منع تبلور قيادات ونخب جديدة، يمكن لها أن تغير موازين القوى، لمصلحة نظام سياسي جديد.

 يخالف واقع النخب المشرقية الراهنة أمرين اثنين، الأول هو تطلعات النخب المؤسسة للمجتمع والدولة، والثاني ضرورات المستقبل في بناء الدولة الحديثة، وهو ما يعني أن هذه النخب تنتمي من حيث البنية والتكوين وطرق العمل إلى منطق مضاد لمنطق العصر والتاريخ، وستبقى تشكّل إعاقة أمام بناء الدولة الحديثة، بل إنها أتت وستأتي على ما تبقى من الدولة، وهي تقوم بتأدية أدوار وظيفية، تهدّد بشكل حقيقي استمرار كيانية الدول نفسها، بل تهدّد الوجود التاريخي لشعوبها.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"