السلطة السياسية وعلاقات القوة

00:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

تبقى السلطة السياسية، من وجهة النظر المعرفية، مجالاً للتحليل الدائم، لفهم أي مجتمع، سواء في دينامياته التاريخية أو المعاصرة، وجملة التحولات التي شهدها مفهوم السلطة نفسه، عند كل محطة تاريخية مفصلية. 

وإذا كان إعطاء السلطة السياسية هذا البعد المركزي في فهم المجتمعات، قد ينطوي على استعلاء معرفي وسلطوي في آن، منحازٍ للبنى الفوقية على حساب البنى التحتية في المجتمع، إلا أن السلطة السياسية هي  بشكل من الأشكال  تكثيف لمجمل السلطات الأخرى، الفاعلة ضمن دينامياتها المستقلة والذاتية، والمتفاعلة أيضاً مع السلطة السياسية، للحفاظ على مكتسباتها وأدوارها، وضمان استمرارها.

لا تعكس السلطة السياسية بالضرورة كل التفاعلات الاجتماعية، إلا تلك التفاعلات التي تحوز القوة، بدرجة لا يمكن عندها تجاهلها، وهو ما يجعل من الطبيعي بمكان، دراسة السلطة بوصفها مركزاً لتحقّق علاقات قوة مختلفة، بما فيها شبكة علاقات القوة التي تحوزها السلطة السياسية نفسها، من قوات مسلحة، وقوى أمن داخلي، وقوانين، ومؤسسات، وشرعية الاعتراف الدولي بها، وتحالفات نخبها الاجتماعية والاقتصادية. وهكذا يكون كل صراع من أجل تغيير علاقات القوة المجتمعية، صراعاً على السلطة السياسية نفسها، بهذه الدرجة أو تلك؛ إذ لا يمكن من الناحية العملية أن تبقى السلطة السياسية بمنأى عن أي خلل يصيب علاقات القوة في مجتمعها، وما يحدثه هذا الخلل من إزاحة فاعلين اجتماعيين، أو صعود فاعلين جدد.

المدخل إلى التغيير الاجتماعي، وتغيير طبيعة علاقات القوة في داخله ببعضها، يمرّ عبر إحداث تغيير في طبيعة السلطة السياسية؛ أي إحداث تغيير في طبيعة الدولة نفسها. فالسلطة السياسية معطى محدد، لها مؤسسات وممارسات وقيادات وأيديولوجيا، وهي تسم الدولة بسماتها، وتمنح الدولة التي تمتلك طابعاً تجريدياً نسبياً، تحققها الواقعي، وهو ما يجعل كل القوى الطامحة للسلطة السياسية، صاحبة تصورات عن الدولة، وعن علاقتها بالبنى الاجتماعية، أي بعلاقات القوة داخل المجتمع، وبالتالي لديها انحيازاتها الخاصة، التي تعبر عن أيديولوجيتها، وعن مصالحها.

بطبيعة الحال، يمكن التمييز بين السلطة السياسية والقوى الاجتماعية، لكن من غير المعرفي؛ بل من الخطأ المنهجي، وضع حدود صلبة وفاصلة بينهما، وكأنهما ينتميان إلى عالمين مختلفين بالمطلق. فمن شأن حدود كهذه أن تحيلنا إلى نمط أخلاقي في تفسير كليهما، أو إطلاق حكم قيمة نهائي، كأن تتم شيطنة إحداهما بالمطلق، وتبرئة الأخرى بالمطلق، وإسقاط دورها في المسؤولية التاريخية، وبالتالي فإن القراءة المتخفّفة من ثقل الأيديولوجيا، تتيح فهم العلاقة الجدلية بين السلطة والمجتمع من جهة، من دون أن تكون منحازة بالضرورة لثبات السلطة السياسية على ما هي عليه، أو منفعلة ببعض دعوات التغيير الاجتماعي، التي لا تمتلك في ذاتها رؤية مغايرة للدولة والسلطة.

القوة  كل قوة  بالتعريف هي شكل من أشكال الهيمنة، تعكس الواقع في لحظة تاريخية محددة، ليست نهائية، والسلطة السياسية بوصفها الحائز الأكبر لواقع وممكنات الهيمنة، هي المسؤول الأول والأكبر عن مجريات صناعة التاريخ وكتابته، وهو ما يجعل التاريخ الاجتماعي، في أحد أبرز وجوهه، هو تاريخ السلطة السياسية، كما أن تحقيب أطوار الدولة، هو تحقيب في طبيعة وأشكال السلطات السياسية المتناوبة على الدولة.

في عالمنا المعاصر، ما يميز سلطة سياسية ما عن غيرها، هو درجة احتكار تمثيلها لعلاقات القوة في مجتمعها، أو اعترافها بنسبية وجودها كسلطة ضمن إطار أوسع من علاقات القوة، وفي الحالة الأولى؛ أي حالة احتكار التمثيل، تشكل السلطة السياسية إعاقة ضد تطوّر البنى الاجتماعية، وتكريس علاقات قوة، مضادة لحركة التطوّر التاريخي، بينما يتيح الشكل الآخر للسطة السياسية، ذات طابع تمثيلي نسبي، حدوث تفاعلات اجتماعية طبيعية بين القوى المختلفة، وأن يحدث فرز تقرّره الديناميات الاجتماعية، بشكل مستقل عن السلطة وأدواتها.

إن مكانة الدول في عالمنا المعاصر مرهونة بدخولها في طور الدولة الحديثة، والتي تعني بالضرورة إنتاج السلطة بأكبر قدر من التمثيلية المجتمعية، وعدم السماح بحدوث حالة قطيعة أو انفصال وفصام بين طبيعة هذه السلطة ومصالحها، وبين الضرورات المجتمعية، ويعني أيضاً أن السلطة السياسية بحد ذاتها تعبر عن رؤى حداثية فعلية، وليست شكلية للدولة ومؤسساتها، لكن الواقع الذي يسمح بتشكيل علاقات قوة حداثية، وسلطة سياسية تعكسه، هو نتيجة صراع تاريخي طويل، وربما مرير، بين قوى تنتمي إلى الحداثة، في منظومتها الواسعة والمتعددة، وبين قوى أخرى تنتمي إلى الماضي، ليس فقط في حقل المصالح، وإنما أيضاً في حقل الوعي.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"