توترات «الحديقة السوداء»

00:31 صباحا
قراءة دقيقتين

فيصل عابدون

يعيد تجدد التراشقات النارية والكلامية بين أرمينيا وأذربيجان موجات من القلق العميق على مستقبل الاستقرار في هذه المنطقة بالغة الأهمية، والتي خيّمت عليها فترات متقطعة من التوترات السياسية والحروب الصغيرة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وتتصارع في إطار أزمة ناغورني كاراباخ المعروفة باسم «الحديقة السوداء»، عوامل ديموغرافية وجغرافية وقانونية، فهي من ناحية القانون الدولي أرض أذرية، لكن أغلب سكانها من الأرمن. ومن هنا حاولت جمهورية أرمينيا ضمها إليها، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، واستقلال جمهوريتي أرمينيا وأذربيجان، وهي رغبة تصطدم مع الواقع الجغرافي للمنطقة التي تقع داخل حدود جمهورية أذربيجان بالكامل، ولا ترتبط مع حدود أرمينيا. واتخذ النزاع طابع المواجهات العسكرية في أواخر عقد الثمانينات، عندما صوتت إثنية الأرمن لمصلحة الاستقلال عن أذربيجان، والانضمام الى أرمينيا.

وفي سياق نزاع الدولتين على السيادة على المنطقة، أصدر مجلس الأمن الدولي أربعة قرارات بأرقام 822، 853، 874، 884 ما بين 30 إبريل/نيسان 1993، و12 نوفمبر/تشرين الثاني 1993 تقضى كلها بسحب «قوات الاحتلال» من الأقاليم الأذرية، وهي كلها قرارات لم يقدر لها التنفيذ. كما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 10693 في 14 مارس/آذار 2008، والذي نص على «ضرورة إعادة الإقليم إلى أذربيجان، وألا تقدم أي دولة المساعدة إلى أرمينيا؛ لإبقاء الوضع الراهن، وحق السكان الأذريين في العودة إليه، مع توفير حياة آمنة وسلمية للسكان الأرمن والأذريين في الإقليم في إطار نظام ديمقراطي».

وبعد حرب أولى أسفرت عن 30 ألف قتيل مطلع التسعينات، تواجهت أرمينيا وأذربيجان في عام 2020 في حرب جبهات واسعة، خلّفت أكثر من 6500 قتيل. وكان النصر، في تلك المواجهات، حليفاً لقوات أذربيجان التي سيطرت على ثانية المدن الكبرى في المنطقة، وقامت بإنهاء الوجود العسكري الأرمني في مرتفعات استراتيجية مهمة.

وعززت باكو مكاسبها العسكرية خلال اتفاق الهدنة الذي تم بوساطة روسية، وأعاد لها الاتفاق حق السيطرة على سبعة أقاليم، كانت تشكل شريطاً أمنياً للانفصاليين الأرمن. وفي المقابل شكل التوصل إلى الاتفاق، إنقاذاً للجيش الأرميني الذي كان يواجه شبح الانهيار، والهزيمة الكاملة.

ودافع رئيس الوزراء أرمينيا نيكول باشينيان، الذي تعده المعارضة مسؤولاً عن الهزيمة، عن قراره، مؤكداً أنه وقع على اتفاق الهدنة، الذي عدته المعارضة استسلاماً، تحت ضغط من قادة الجيش. وأضاف أن المعارك وصلت إلى حد المخاطرة بأن أذربيجان ستسيطر على الإقليم بالكامل، بعد أن استولت على ثانية المدن الكبرى فيه. ووصف باشينيان نتائج المعارك، بأنها «فشل ذريع وكارثة».

ومع وجود مرارات كامنة تحت سطح اتفاق التهدئة، فإن تفجر أحدث جولة من القتال بين الجانبين لم تشكل مفاجأة على أي صعيد أو مستوى. غير أنها اثارت موجات من القلق الدولي والإقليمي، كونها تأتي في وقت تباطأت فيه المحادثات التي تجري بوساطة الحكومتين الروسية والتركية إلى جانب الاتحاد الأوروبي، بهدف التوصل إلى تسوية شاملة ونهائية للنزاع.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"