أحلام موسيقية حبر على ورق

00:10 صباحا
قراءة دقيقتين

هل تسمح بإطلالة ثالثة على متتاليات «مؤتمر الموسيقى العربية 1932» بالقاهرة؟ بل إنها ضرورة حين تغدو القضايا الجادة موضع تندّر، فإن الحادث الجلل يحتاج إلى مركز بحوث وتحقيقات، لا إلى عمود أو مقال.
لا يمكن الحديث عن مؤتمر 32، من دون القاعدة التأسيسية المرجعية المتمثلة في تشييد دار الأوبرا المصرية، وعرض أوبرا «عايدة» التي ألفها الموسيقي الإيطالي جيوزيبي فيردي، بفرمان خديوي، لتعرض في احتفاليات افتتاح قناة السويس (1869)، غير أنها لم تعرض إلا في 1871.
الحدثان معاً يدلان على أن القاهرة كانت سريعة الاحتضان لكل جديد. ثم إنها كانت عاصمة ثقافية رائدة وجاذبة للعالم العربي؛ أي مايسترو ثقافي، وكانت مكونات الثقافة غير منعدمة الروابط، أرخبيل جزر لا يخلو من الجسور. أضف سلسلة الانفتاح على أوروبا: طه حسين في باريس، وقبله رفاعة الطهطاوي و«تخليص الإبريز في تلخيص باريز».
الآن نأتي إلى النقطة التحليلية المهمة: ما السر وراء دعوة المجريّ بيلا بارتوك إلى المؤتمر؟ لماذا بارتوك بالذات؟ الدكتور محمود الحفني السكرتير العام للمؤتمر، كان يعلم ولا شك، أن بارتوك من أهم مؤسسي علم الإثنوموسيقى، علم موسيقى الشعوب، علم السلالات الموسيقية. محور الفكر الموسيقي لبارتوك: الانطلاق من الموسيقى الشعبية، إلى العالمية، من الفولكلور، الموروث الشعبي، قطع مسيرة تحولات نحو سترافنسكي والموسيقى اللامقامية (آتونال) لدى شونبرج.
يرى القلم أن الحفني كان في ذهنه مشهد مماثل، مسيرة للموسيقى العربية، من استثمار سيد درويش للموروث الشعبي، إلى بناء مدارج تطورية عليه. في ضفة الرؤى التطويرية نفسها: كانت وزارة المعارف المصرية المشرفة على المؤتمر، كلّفت المؤلف الموسيقي والمؤرخ الألماني الأمريكي كورت زاكس، بإعداد دراسة عن الموسيقى العربية، واستجاب.
إذا لم يطر عقلك ذهولاً، ففتش له عن أقراص دهشة، لكن معاذ الله أن ينصرف ذهنك إلى أن الموسيقى العربية، لا قدّر الله، عاقر، فتقول: ما كل هذه الرياح اللواقح، وكل هذا الفراش والنحل، ولا ذرّة جدوى. اشتعل رأس الذوق العربي شيباً، ولم تبزغ شمس إلهام تبشر بغلام التطوير. ثمانون عاماً، وتلك البداية.
لزوم ما يلزم: النتيجة الخياليّة: سنة 1932، كانت الموسيقى الشرقية تشمل الصينية. بلا مؤتمر عالمي، صار لها 50 مليون طفل يدرسون البيانو، وتعلن أن مستقبل الموسيقى السيمفونية سيكون صينياً.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"