البحث عن سوريا الممكنة

00:31 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

تقتضي الأزمات والمآزق الكبرى التي تعيشها الدول، إطلاق مراجعة نقدية شاملة، حول الأسباب التي أفضت إلى هذه الحال من الاستعصاء، وتقييمها بعيداً عن الرغبوية السياسية، أي الاحتكام إلى عقلانية صارمة وباردة، والجرأة في نقد الذات، ومساءلتها عن دورها في المآلات الراهنة، وهذه المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على النخب، خصوصاً النخب السياسية والفكرية، التي لها إمكانية في إحداث نقلة مغايرة في الواقع السياسي، بهدف رسم مسار ممكن للخروج، ولو نسبياً، نحو واقع جديد.

قد لا يكون متاحاً على نطاق واسع، خصوصاً في الإعلام، معرفة ما يحدث من مراجعات في الحالة السورية، فقد تراجع موقع المسألة السورية بشكل عام وكبير في الإعلام، لكن هذه المراجعات بدأت تحدث في غير مكان، مدفوعة بعدد من الأسباب، من بينها؛ بل في مقدمتها، التحوّلات التي تحدث في العلاقات الإقليمية؛ حيث إن المؤشر العام لهذه التحوّلات هو محاولة تصفير المشكلات الإقليمية، من دون أن يعني ذلك أن هذه المحاولات في تصفير المشكلات سيحالفها النجاح بشكل مؤكد، لكن المحاولات الجارية إقليمياً من أجل تصفير المشكلات ما أمكن، تؤكد وجود حاجة موضوعية واعتراف صريح من قبل أطراف عديدة، بالحاجة إلى منظومة سياسية واقتصادية إقليمية فيها مستوى أعلى من الاستقرار، بعد كل التناقضات والإشكالات التي حكمت هذه العلاقات في العقد الماضي.

خلال العام الأخير، نظّمت بعض القوى السياسية السورية، المحسوبة على تيار متنوّع، ديمقراطي، ليبرالي، علماني، عدداً من الورش، بعضها مغلق، بهدف إعادة قراءة الوضع السوري، في مستوياته المختلفة، والأهم هو تقديم نقد عقلاتي للأدوار التي لعبتها النخب السورية، ومسؤوليتها عن التحوّلات التي أصابت مسار التغيير الوطني، خصوصاً بعد أن أصبحت سوريا، من حيث الواقع الفعلي، محكومة بخطوط تماس، بين ثلاث سلطات أمر واقع، تعكس موازين القوى الإقليمية والدولية، أكثر مما تعكس مصالح السوريين أنفسهم.

هناك سؤال مفصلي يتكرر بصيغ مختلفة في النقاشات الجارية بين النخب السياسية السورية، وهو سؤال يتعلق بالفجوة بين الرغبة والممكن، أي برغبة كل طرف من أطراف الصراع السوريين بدولة ووطن ومجتمع على مقاس مرجعيته الفكرية وأيديولوجيته السياسية، وبين الممكن الذي يتيحه التنوّع السوري الفكري والسياسي والاجتماعي، متضمناً هذا التنوع - بطبيعة الحال - حقائق الاجتماع التاريخي السوري، أو حقائق الجغرافيا والتاريخ في الإقليم، وكذلك المسائل المتعلقة بالاقتصاد والحياة المعيشية، خصوصاً أن الواقع العملي، يشير إلى أن الكارثة الاقتصادية والمعيشية تلقي بثقلها على جميع السوريين، بغض النظر عن مواقفهم السياسية، أو أماكن وجودهم في الجغرافية الوطنية.

إن طرح هذا السؤال المفصلي، يمنح بعض الأمل في عقلنة السياسة، فكراً وعملاً وخطاباً، ويشير إلى أن أحد أسباب الاستعصاء الكبرى والأساسية، يكمن في عدم الإقرار بأن لا حل سياسياً ممكناً من دون الإقرار بأن هذا الحل ينبغي له أن ينطلق من سوريا الممكنة، وليس من سوريا المفصّلة على مقاس رغبة طرف من الأطراف، وأن الواقع العملي والإحصائي يؤكد أن تمسّك أطراف الصراع، في أي صراع محلي/وطني، برؤية سياسية إقصائية، هو الوصفة المثالية لاستمرار الصراع، وتفتيت الجغرافيا، والقضاء على الرأسمال الرمزي التاريخي للمشتركات الاجتماعية والثقافية والإنسانية، بين أبناء البلد الواحد.

في صلب هذا النقاش حول تقييم مسار المسألة السورية، إقرار صريح بأن الهزيمة مسؤوليتها جماعية، وبأن فشل مشروع التغيير الوطني، بوصفه عملية قائمة على التفاعل والاستجابة، هو فشل عام، مؤسس على قراءات خاطئة للمصالح وموازين القوى والتحالفات والأدوات.

ما ينبغي ملاحظته، وربما العمل على الربط بين طرفيه، هو وجود تقاطعات بين وجود مسار لقراءة عقلانية للمسار السوري، وبين مسار قراءة عقلانية للمسار الإقليمي؛ إذ إنه من حيث المبدأ، فإن هاتين القراءتين تنطلقان من مشتركات وإقرارات تبدو متطابقة أو قريبة من بعضها، بما يخص الحاجة إلى وجود استقرار، يمتلك مقوّمات الاستدامة، ويتطّلب العمل على تصفير المشكلات، ليس بالقفز من فوقها، وإنما من خلال معالجة أسبابها، والاعتراف بوجود سبل عقلانية لحلها، بعيداً عن منطق الصفرية (إما كل شيء أو لا شيء)، والعمل على مروحة أوسع في تحقيق المصالح.

قد تكون المسارات الخاطئة واحدة من ضرورات التاريخ، للكشف عن التباين بين الممكن وغير الممكن، لكن من ضرورات العقلانية السياسية التقاط الممكن وتحويله إلى واقع.

[email protected]

https://tinyurl.com/4e3u4vw4

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"