مآلات الحداثة العربية

00:41 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

إذا سلّمنا بتحديد الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926-1984) بأن مطلع القرن التاسع عشر هو اللحظة الزمنية المؤسسة للحداثة كما عرفتها أوروبا، والتي يمنحها فوكو اسم «عتبة الحداثة»، فإننا ملزمون وفقاً لهذا التصنيف التاريخي، أن نلتزم أيضاً في توصيفنا للحداثة بأنها تعبير عن صعود الرأسمالية كنظام اقتصادي، له ديناميات مستقلة عما سبقه من أزمنة، قوامه الأساس هو الثورة الصناعية والمكننة، وتطوير وسائل النقل، حيث اغتالت السكك الحديدية المسافات، وجعلت من الممكن نقل الأفراد والبضائع، بقوة الآلة البخارية، ما أسهم في توسيع الأسواق، على نحو غير مسبوق في التاريخ.

في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تصبح حداثية وحديثة، ليس فقط تكنولوجياً واقتصادياً، وإنما أيضاً عسكرياً، كانت معظم الشعوب العربية تعيش تحت حكم السلطنة العثمانية، في ظل حالة من اللامركزية، أساسها الضريبة المدفوعة للباب العالي (مقر الحكومة العثمانية في الأستانة)، ونظام إنتاج زراعي/ إقطاعي بسيط، وبعض الحرف التقليدية، المتركزة في المدن الكبرى، وأعمال الرعي والصيد، وسيادة تعليم وثقافة تقليديين، يعتمدان بشكل رئيسي على الموروث التاريخي والديني، وهي الحال التي ستبدأ بالتغيّر بشكل تدريجي، لكن غير حاسم، مع الحملة الفرنسية التي قادها نابليون بونابرت، والتي ستفتح الباب أمام أسئلة جديدة، كنتيجة طبيعية لصدمة العلاقة مع الآخر، وفي صميم تلك الأسئلة سيكون سؤال التقدم أساسياً.

الصدمة الحضارية الناشئة آنذاك، التي عبّر عنها مفكرو النهضة العرب بثنائية التقدم والتأخر، هي في حقيقتها تطال مسألة الحداثة، أي تلك المنظومة التي جعلت من الغرب متفوقاً، في الوقت الذي راحت فيه السلطنة العثمانية تتفكك، ولئن حاول مفكرو النهضة صياغة أسئلة، وتقديم إجابات، انطلاقاً من محاولة معرفة الآخر من جانب، ونقد الذات من جانب آخر، لكن تلك المحاولة بقيت محدودة بشروطها المعرفية آنذاك، ويحسب لها أنها وضعت الذات موضع تساؤل، لكن القفزة الواقعية المهمة، جاءت فعلياً بعد الاستقلال عن الانتدابات الأجنبية، وظهور المشروع القومي العربي، ليس فقط بوصفه مشروعاً سياسياً، وإنما مشروع يسعى إلى تغيير البنى التقليدية القائمة، وبناء الدولة الوطنية.

قد يكون من الصعوبة بمكان، وضع إحاطة كلية واحدة لتقييم نجاح أو إخفاق المشروع القومي العربي في مسألة الحداثة؛ بل إن محاولة البحث عن إحاطة كلية قد تواجهها عقبات معرفية. ففي المجال الفكري والنقدي والأدبي والفني، كان هناك مسار مهم وجدي حداثي، وذلك على مستوى المنتج الذي قدمه عدد لا بأس به من المفكرين والفلاسفة والباحثين والكتّاب والفنانين، لكن في المقابل، هناك انتكاسات كبيرة حصلت في المسارات الأخرى، خصوصاً في البنى الاجتماعية، ولا يستثنى منها بالطبع بنية السلطة، بوصفها بنية اجتماعية فوقية؛ بل إنها تأتي في مقدمة البنى المعاندة للحداثة، على الرغم من أن أشكال ممارسة السلطة عموماً، قد أصبحت في مستوياتها الشكلية حديثة، من دون أن تصبح بالضرورة حداثية.

وإذا كانت طبقة الرأسمال الأوروبية، هي الرافعة لمشروع الحداثة، مدفوعة بمصالحها، كطبقة منتصرة، فإن طبقة الرأسمال العربية، لم تندفع إلى تبني مشروع الحداثة فكرياً وسياسياً؛ بل في مجملها بقيت على النقيض مع الحداثة، وقد تناول المفكر ياسين الحافظ (1930-1978) هذه الظاهرة، معتبراً أن الطبقة التجارية العربية، أصبحت تمتلك مستوى عقلانياً معقولاً في تعاملانها المصلحية، لكنها لم تتمكن من نقل هذه العقلانية إلى حياتها الاجتماعية، وبقيت «منغلقة ومحافظة»، وفي التحليل السياسي الاقتصادي، يمكن القول إن طبقة الرأسمال العربية، لم تقدم مشروعاً مطابقاً لها، وبقيت تلعب الدور الذي لعبته خلال عهد السلطنة العثمانية، أي دور الوسيط بين السلطة والمجتمع.

وإذا اعتبرنا أن الدولة الوطنية، في سياق التاريخ العربي المعاصر، هي أحد تمثّلات الحداثة، فإن مساءلة تجربة الدولة الوطنية، بما تفضي له تلك المساءلة من نتائج، تصبح ضرورية لمقياس مآلات الحداثة، ففي الوقت الذي لم تتمكّن فيه طبقة الرأسمال من التحوّل إلى مركز قيادة للحداثة، كانت الدولة الوطنية تمنح نفسها هذه المهمّة، أو تزعم أنها المسؤولة عنها، وفي هذا الزعم، هناك ما يشبه القطيعة مع عمليات التفاعل الضرورية بين البنى؛ إذ لا يمكن للحداثة أن تكون مجرد منتج فوقي، وهو ما يفسر محدودية النتائج التي قدمتها هذه التجربة على مستوى تحديث البنى الاجتماعية الاقتصادية.

في محاولة الدولة الوطنية العربية للحداثة والتحديث، تم الفصل على الدوام بين الحداثة وتمثّلاتها الحقوقية السياسية، لكن هذا الفصل غير المعرفي، كانت له نتائج كارثية في بعض التجارب، فقد أدى إلى انهيار متزامن لمعظم منجزات الحداثة، بما فيها الدولة نفسها.

[email protected]

https://tinyurl.com/2p8wj94h

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"