حرائق الجوار الروسي

00:22 صباحا
قراءة 3 دقائق

نبيل سالم

لا يمكن أن يكون مصادفة ما يجري من أحداث في حديقة روسيا الخلفية، في دول تعتبرها موسكو خطاً أحمر يمس العبث فيها بالمصالح الجيوسياسية والأمنية لروسيا، لا سيما وأن بعض هذه الدول كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي السابق، وبعضها مازال يحتفظ بعلاقات ومصالح متبادلة مع روسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفييتي.

فبعد أيام قليلة فقط، من الاشتباكات الحدودية بين كل من أرمينيا وأذربيجان، في الثاني عشر من سبتمبر/ أيلول الماضي، والتي خلفت عشرات القتلى والجرحى من الجانبين، اندلعت اشتباكات عنيفة مماثلة على الحدود ما بين قرغيزستان وطاجيكستان، استخدم فيها الطرفان الأسلحة الثقيلة،مثل الدبابات وقذائف المورتر، في تصعيد للصراع الحدودي بينهما.

ومع أن مثل هذه الأحداث والاشتباكات ليست جديدة بين هذه الدول، لخلافات سياسية أو حدودية، وتحدث بين حين وآخر، إلا أن اندلاعها بشكل مفاجئ، وفي هذا الوقت بالذات، حيث تنشغل روسيا بعمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا، يثير الكثير من التساؤلات، إذ إن اندلاعها في هذه المرحلة بالذات ربما يحمل دلالات تجعلها أكبر من كونها مناوشات حدودية، وأنها ليست سوى انعكاس للعلاقات المتردية بين روسيا والغرب عامة، والولايات المتحدة بشكل خاص.

ويرى الكثير من المحللين أن الحرب الأوكرانية تحمل في طياتها الكثير من الأخطار، ومنها اتساعها، أو انتقالها إلى مساحات جغرافية جديدة، خارج حدود أوكرانيا، ولا سيما في تلك الدول التي كانت ضمن الفضاء السوفييتي في القوقاز وآسيا الوسطى.

وتعيد هذه الأحداث إلى الأذهان الحرب الجورجية التي اندلعت في عام 2008، وكذلك الأحداث الدامية التي شهدتها كازاخستان في أوائل العام الجاري، والتي لا يشك في وجود أصابع المخابرات الأمريكية فيها، رغم أنها حملت عناوين ذات طابع اقتصادي أو سياسي داخلي، بحجة الاحتجاج على ارتفاع أسعار الغاز والديزل والبنزين، في حينه، والحقيقة التي تبدو ظاهرة لكل متتبع للأحداث أن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، تسعى إلى إشغال موسكو بصراعات جانبية، أو حروب قد لا تستطيع إخماد نيرانها في ظل انشغالها بالأزمة الأوكرانية التي سبّبها تمادي الغرب، ومساعي حلف شمال الأطلسي للتمدد نحو روسيا وتهديد أمنها القومي.

كما تهدف السياسة الغربية، التي تحركها الأجهزة الاستخباراتية، إلى تشتيت قدرات الجيش الروسي على جبهات قتالية عدة، بهدف التخفيف عن الساحة الأوكرانية، وبالتالي تعزيز الموقف العسكري الأوكراني، في ظل استمرار تزويد كييف بالأسلحة الغربية المتطورة، وتحديداً الأمريكية. ومن هنا نستطيع القول إن ما يجري من أحداث من الجوار الروسي لا يمكن فصله أبداً عن الصراع الكلي بين الغرب وروسيا، حيث يعتقد قادة دول «الناتو»، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، أن روسيا قد لا تستطيع الآن لعب دور رجل الإطفاء، لإخماد نيران الحروب التي يسعون لإشعالها، في حديقة روسيا الخلفية، خاصة بعد أن حركت روسيا بعمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا، المياه الراكدة، لما يسمى بالنظام العالمي، الذي يكرس الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية على العالم.

أخيراً، يمكن القول إن ما يجري في الدول المجاورة لروسيا من أحداث واشتباكات حدودية، يحمل بما لا يدع مجالاً للشك، بصمات الاستخبارات الغربية، وعلى رأسها الأمريكية، التي لعبت، وتلعب دور مهندس الصراعات والحروب بين الدول على مدى عقود من الزمن، و تسعى الآن لإحاطة روسيا بحزام من عدم الاستقرار، واستنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية بالعقوبات والصراعات الجانبية التي تخلقها أمامها، هنا وهناك، تماماً كما فعلت هذه القوى مع الاتحاد السوفييتي السابق، إبان حقبة الحرب الباردة، ما يعني أن الخطر الغربي بات يهدد روسيا ووحدة أراضيها مباشرة، بل ووجودها، وهو ما ذهب إليه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أكثر من مرة، خاصة بعد أن استطاعت موسكو استعادة موقعها كقوة كبرى ولاعب دولي قوي، يستطيع من خلال تحالفاته الإقليمية والدولية، أن يعيد ولو القليل من التوازن للنظام العالمي الذي كانت تتفرد به الولايات المتحدة، وتهندسه على مقاس مصالحها ومصالح الدول الغربية المتحالفة معها.

[email protected]

 

https://tinyurl.com/3cdc3zjc

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"