الإمارات وروسيا.. شراكة استراتيجية عميقة

00:03 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. صلاح الغول *

في 11 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، قام صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بزيارة رسمية إلى روسيا، وعقد قمة مع الرئيس فلاديمير بوتين في سانت بطرسبرغ. وحفل جدول أعمالها بقضايا ثنائية وإقليمية ودولية، يأتي في مقدمتها تطوير العلاقات الثنائية، واستقرار سوق الطاقة العالمي، والأمن الإقليمي، والتسوية السلمية للحرب الروسية - الأوكرانية أو على الأقل خفض مستوى الصراع، تجنباً للإنزلاق في سيناريوهات الهاوية المتصلة أساساً باحتمالية توظيف الأسلحة النووية، ولو كانت تكتيكية. 
 وقد وفّى المعلقون والمحللون مضامين قمة سانت بطرسبوغ ودلالاتها تعليقاً وتحليلاً؛ لذلك، يستهدف هذا المقال، استشراف مستقبل العلاقات الإماراتية-الروسية، في ضوء التغيرات الإقليمية والدولية المضطربة.
 وبقدر ما يتراءى في المستقبل المنظور، فإنّ العلاقات بين دولة الإمارات وجمهورية روسيا الاتحادية، تتجه نحو تعميق الشراكة الاستراتيجية وتوسيعها بينهما؛ وهي الشراكة التي أُعلنت عام 2018 أثناء زيارة صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد الأولى إلى روسيا، ثم زيارة الرئيس بوتين إلى دولة الإمارات عام 2019. 
 ويستند هذا التصور إلى مستقبل العلاقات الإماراتية - الروسية إلى عدد من المتغيرات الرئيسية؛ أول تلك المتغيرات أنّ ثمة مصالح حيوية اقتصادية وسياسية وجيواستراتيجية تربط الدولتين. وتتعلق المصالح الاقتصادية باستقرار أسعار الطاقة وسوق النفط العالمي في إطار صيغة «أوبك بلس»، وتنامي حجم التبادل التجاري الثنائي، وأهمية روسيا لسوق السياحة الإماراتي. وتتصل المصالح السياسية والجيواستراتيجية بحرص الدولتين على إضفاء الطابع التعددي على العلاقات الدولية، واستتباب الأمن والاستقرار في منطقة الخليج والعالم.
 أما المتغير الثاني، فيرتبط بأنّ هناك مصلحة حيوية لدولة الإمارات في تنويع شركائها الاستراتيجيين، وتنويع مصادر تسليحها؛ وذلك أن السياسة الخارجية لدولة الإمارات التي يقودها صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تستند إلى مبدأين أساسيين؛ هما: التنويع والتوازن، لاسيما في علاقتها مع الدول الكبرى؛ بمعنى تنويع العلاقات والشركات مع الدول الكبرى، والدول الإقليمية الرئيسية، والحرص على توازنها. فدولة الإمارات تنأى بنفسها عن الدخول في منافسات أو صراعات الدول الكبرى. وهذا الاتجاه هو ما يفسر انفتاح دولة الإمارات على الصين والهند وغيرهما، وما سوف يفضي إلى تعميق الشراكة الاستراتيجية مع روسيا.
المتغير الثالث، الذي سوف يكون له تأثير كبير في مستقبل العلاقات الإماراتية-الروسية، يتمثل في مآل الصراع في أوكرانيا، فإذا خرجت روسيا منتصرة، فإنّ وتيرة التعميق والتوسيع لشراكتها الاستراتيجية مع دولة الإمارات سوف تتسارع، أما إذا انتهت الحرب في أوكرانيا بتسوية سياسية، لن تختلف في مضمونها كثيراً بالنسبة لروسيا عن تحقيق انتصار عسكري أو تحقيق أهدافها في أوكرانيا؛ فسوف يفضي ذلك أيضاً إلى تسريع الشراكة الاستراتيجية الإماراتية-الروسية. 
 ويتصل المتغير الرابع باحتمالات تغيير النظام الدولي. والواقع أنّ هناك اتفاقاً بين الخبراء الدوليين على أنّ النظام الدولي الراهن غير مستقر، وأنها مسألة وقت حتى يتحول إلى نمطٍ آخر. ويتم طرح سيناريوهات مختلفة لماهية النظام الدولي الجديد، لا يتسع المجال لشرحها، ويذهب أرجحها إلى أنّ النظام الدولي في سبيله لأن يكون تعددياً، تتولى قيادته عدة دول كبرى، على رأسها الولايات المتحدة والصين وروسيا وألمانيا وغيرها. ومجمل القول إنه إذا أفضت التغيرات الدولية إلى هذا السيناريو التعددي، فسوف يتسع هامش المناورة والحرية للدول الصغيرة والمتوسطة، ومنها دولة الإمارات، لانتهاج سياسة خارجية أكثر استقلالية وتوازناً؛ وهو الأمر الذي من شانه أن يعزز الاستعداد الإماراتي لتعميق الشراكة وتوسيعها مع روسيا. 
 والأهم من ذلك أنّ القيادة السياسية في الإمارات وروسيا لديها العزم على تطوير الشراكة الاستراتيجية. وقد اتضح ذلك في فعاليات قمة سانت بطرسبورغ؛ حيث بحث صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد والرئيس بوتين مختلف جوانب العلاقات الثنائية بين البلدين، وأعربا عن الارتياح لتنامي مستوى العلاقات بين بلديهما، واتضح خلالها عزمهما على إعطاء دفعة قوية لها.
 والخلاصة أن المستقبل يحمل وعداً بتعميق الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات وروسيا، وتوسيعها في المجالات السياسية والاقتصادية والجيواستراتيجية. فلم يكن من المصادفة أن تتزامن القمة العاشرة التي تجمع زعيمي البلدين منذ عام 2012 مع افتتاح أول مدرسة روسية في الإمارات.
* متخصص في العلاقات الدولية والقضايا الجيوسياسية

https://tinyurl.com/5n7c5cmy

عن الكاتب

كاتب متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الجيوسياسية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"