بين أروقة التاريخ المعاصر وبناء مسارات المستقبل، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كصائنة وحارسة أمينة للتراث الإنساني، لا انطلاقاً من ترف ثقافي، أو استعراض عابر، بل التزام أصيل بالمرتكزات الاستراتيجية التي صاغتها قيادتنا الرشيدة في «وثيقة مبادئ الخمسين»، لاسيما المبدأ الثامن الذي يؤكد أن «منظومة القيم الأساسية في الدولة ستبقى قائمة على الانفتاح والتسامح، وحفظ الحقوق، وترسيخ دولة العدالة، وحفظ الكرامة البشرية، واحترام الثقافات، إلى جانب ترسيخ الأخوّة الإنسانية واحترام الهوية. من هذا المنطلق الفكري، تتبنى الإمارات دبلوماسية ثقافية واعية، تؤمن بأن حماية الذاكرة العالمية واجب أخلاقي يتجاوز حدود الجغرافيا، وصراعات السياسة، وضيق الأيديولوجيا، ليكون ركيزة أساسية للسلام والاستقرار الدوليين.
ويتجسد هذا الدور اليوم بشكل ملموس في التوجيهات الكريمة التي أصدرتها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، بترميم وصون الجامع الأموي الكبير في دمشق. هذا التوجيه الذي تصدّر المشهد الثقافي يحمل في طياته دلالات حضارية بالغة العمق، فالجامع الأموي ليس مجرّد بناء من حجر، بل هو شاهد حي على قرون من المجد الحضاري، العربي والإسلامي، وجاءت هذه اللفتة الكريمة لتعيد النور لواحد من أهم الرموز التاريخية في قلب الشام، وتؤكد أن صون الذاكرة العربية هو نهج إماراتي مستدام عابر للحدود والظروف.
إن هذا التوجيه لسمو «أم الإمارات» يأتي امتداداً طبيعياً لسلسلة طويلة من العطاء التاريخي الذي أسس ملامحه الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، حين سارعت أياديه البيضاء في عام 2004 إلى إصدار توجيهات تاريخية لإعادة ترميم قبّة الصخرة، والمباني المحيطة بها، في حرم المسجد الأقصى، بعد تعرّضها لأضرار جسيمة، بجانب المشاريع الإماراتية المستمرة لترميم وصون الآثار الإسلامية والقبطية النادرة في جمهورية مصر العربية، ودعم المراكز الفكرية العريقة، كدار الكتب والوثائق القومية، ما يترجم رؤية الدولة في أن حماية التراث المشترك هي مسؤولية قومية وإنسانية كبرى.
كما تجلى هذا الفكر الإماراتي المنفتح والمنحاز للإنسان وتنوّعه بأبهى صوره، في المبادرة الاماراتية لإعادة إعمار مدينة الموصل العراقية تحت شعار «إحياء روح الموصل»، بالتعاون مع منظمة اليونسكو. في هذا المشروع الاستثنائي، لم تكتفِ سواعد الإمارات بإعادة بناء جامع النوري، ومئذنته «الحدباء» التاريخية التي فجّرها ظلام الإرهاب، بل امتدت بروح التسامح الحقيقي وبذات الاهتمام والتمويل لإعادة بناء وترميم كنيستي «الطاهرة»، و«الساعــــة» الأثريتيـن. هـــذا التوازن الإماراتي الفريد يرسخ رسالة للعالم أجمع، أن التعايش ليس شعارات تُرفع، بل هو واقع يُبنى على الأرض، حيث تلتقي مآذن المساجد بأجراس الكنائس لتستعيد المدن هويتها المتنوعة، وتلتئم جراح النسيج الاجتماعي للشعوب التي عانت ويلات الفكر الإقصائي.
وفي ذات السياق الحضاري، لا تكتمل هذه المنظومة الريادية من دون الحديث عن الدور الاستثنائي والجهود المباركة التي يقودها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. حيث يمثل سموه نموذجاً عالمياً فريداً لـ«المثقف الحارس» للتراث الإنساني والمخطوطات النادرة، حيث امتدت بصمات سموه لترميم المتاحف والمباني الأثرية والمراكز الثقافية حول العالم، بدءاً من ريف مصر، وصولاً إلى قلب العاصمة الفرنسية باريس، عبر دعم معهد العالم العربي، إضافة إلى جهود سموه الشخصية والمستمرة في إنقاذ وإتاحة المخطوطات والوثائق النادرة للبشرية جمعاء، ما جعل من دولة الإمارات عاصمة دولية للكتاب والمعرفة، وحصناً منيعاً لحماية الفكر الإنساني من الضياع والاندثار.
وهنا يبرز مفترق طرق حضاري وسياسي واعد، لا يمكن لأيّ عين منصفة أن تخطئه في مشهد المنطقة اليوم؛ ففي الوقت الذي تكرس فيه الإمارات طاقتها، وعقولها، وثرواتها لحماية الهوية التاريخية للشعوب، وصناعة الغد المشرق عبر مشاريع علمية وتنموية عملاقة تخاطب المستقبل، نجد في المقابل مشاريع إقليمية مضادة وهدّامة تقودها إيران بأيديولوجيتها التخريبية. هذه المشاريع الإيرانية لا تكتفي باستهداف الحاضر عبر ميليشياتها، بل تحاول جاهدة تدمير المستقبل، واغتيال الأمل العربي، عبر اعتداءاتها وهجماتها الإرهابية الممنهجة التي حاولت مراراً استهداف المنشآت الحيوية والتنموية في المنطقة، وآخرها الإعتداء الارهابي الغاشم على محطة «براكة» للطاقة النووية السلمية. إنه صراع قيمي واستراتيجي واضح بين نهج إماراتي يبني ويصون التاريخ ويصنع المستقبل، ونهج إيراني يهدم الأوطان ويسعى لنشر الظلام والخراب، وتهديد مقدرات الأجيال القادمة.
إن الانطلاق من ترميم قبّة الصخرة، مروراً ببناء جامع النوري وكنائس الموصل، وصولاً إلى ترميم الجامع الأموي ومخطوطات الشارقة، بموازاة حماية مشاريع المستقبل التنموية، يؤكد للعالم أجمع أن رسالة الإمارات ليست مجرّد إعادة بناء للحجر، بل هي معركة، ثقافية وفكرية وسياسية، صلبة، ضد قوى التطرف، والجهل، والظلام. إنها رسالة سلام وبناء تنبع من مسؤولية حضارية تاريخية لإعادة الأمل إلى الشعوب، ومحو آثار الدمار، والتأكيد على أن الهوية الإنسانية المشتركة قادرة دائماً على النهوض من بين الركام لتصنع مستقبلاً آمناً ومزدهراً يسع الجميع.
[email protected]
على الرغم مما بينهما من «بونٍ» واسع أو كما يقول الشاعر «يقِلّ قدر السيفِ إن قيلَ أمضى من العصا»، فإن قرار دولة الإمارات فكّ الارتباط مع منظمتَي «أوبك» و«أوبك بلس»، وأحدث فصول الاعتداءات الإيرانية السافرة على الدولة، بينهما رابط يتعلق بضرورة استعادة الدولة الوطنية، سواء فُهمت بمعنى استعادة الدولة لسيادتها، والحفاظ على مصالحها الوطنية واستقلالية قراراتها الاقتصادية، أو بمعنى استعادة الدولة الوطنية من الميليشيات التي اختطفتها، وتُهيمن عليها، وتوجّهها لتحقيق مصالحها الخاصة.
الحالة الأولى هي حالة خروج دولة الإمارات من منظمتَي «أوبك» و«أوبك بلس»، في 28 إبريل/ نيسان المنصرم، والذّي دخل حيّز التنفيذ في غرة الشهر الجاري. فقد استند القرار الحصيف إلى الحفاظ على المصالح الوطنية الإماراتية في ما يتعلق بإنتاج النفط، وتسويقه، والتمسك باستقلالية قراراتها الاقتصادية في مجال الطاقة، والأهم هو حماية سيادتها الوطنية من أيّ مساس بواسطة الفاعلين غير الدوليين من المنظمات الدولية، بخاصة تلك التي تحاول الإملاء على الدول قراراتها الاقتصادية، ولا تأخذ في الاعتبار مصالحها الوطنية. والواقع، أن قرارات الإنتاج والأسعار والحصص داخل منظمتي الدول المصدرة للنفط تُهيمن عليها، دولة أو دولتان، من دون مراعاة مصالح سائر الدول الأعضاء، وتفعل «السياسة» فعلها في مخرجات اجتماعات المنظمتين.
والحالة الثانية، هي الاعتداءات الإيرانية السافرة التي شنتها ميليشيات الحرس الثوري على دولة الإمارات في 4 مايو/ أيار، بالصواريخ (15 صاروخاً باليستياً وجوالاً)، والمسيرات (4)، فضلاً عن شنّ هجوم بطائرتين مسيّرتين على ناقلة نفط تابعة لـ(أدنوك)، أثناء مرورها في مضيق هرمز، واستهداف منطقة الفجيرة للصناعة البترولية (فوز) بمسيرة؛ ما أدى إلى نشوب حريق بمنطقة «فوز»، وإصابة ثلاثة أشخاص من الجنسية الآسيوية.
فمن المفارقة أن يُصرح مسؤول عسكري إيراني مطلّع، بعد الهجمات الغاشمة على دولة الإمارات، بأنّ بلاده لم تكن لديها خطة مسبقة لاستهداف الإمارات، ولا المنشآت في ميناء الفجيرة، متهماً الجيش الأمريكي بما حدث، وفق التلفزيون الإيراني. ومن المفارقة أيضاً أن ينقل موقع «إيران إنترناشيونال» إدانة الرئيس مسعود بزشكيان للعدوان الغادر على الإمارات، ويشير إلى أن الحرس الثوري نفذه من دون التشاور مع، أو إعلام السلطات السياسية المعنية، وفي مقدمتها رئيس الجمهورية، ويُعلن عن غضبه من هذه الأفعال المنفلتة لكيان موازٍ للدولة.
وسواء صدقت هذه الأخبار، أو لم تصدق، فإنّ الدلائل الواقعية، منذ اغتيال المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في 28 فبراير/ شباط الماضي، تقول بسيطرة الحرس الثوري بقيادة الجنرال أحمد وحيدي، على قرار الحرب والسلام في إيران، وعلى نظام الحكم برمته، والأهم، أنه وحده يمتلك مفاتيح الوصول إلى المرشد الإيراني الحالي، مجتبى خامنئي، الذي تتفاوت التقارير في وصف حالته الصحية بين عجزٍ عن أداء مهامه والإصابة بجروح، خطرة أو عاجز، متوسطة.
وتُظهر مؤسسات النظام المتحالفة مع وحيدي، لا سيما المجلس الأعلى للأمن القومي والباسيج، جبهة متماسكة في مواجهة مؤسسات الدولة الرسمية من برلمان، ورئاسة، ووزارة خارجية، ودعماً لإجراءات الحرس الثوري الهادفة إلى وقف حركة الملاحة في المضيق. فمثلاً، تشير التقارير من الداخل الإيراني إلى أنّ وحيدي وقائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، علي عبد الله علي آبادي، يقودان عملية صنع القرار العسكري داخل النظام.
إنّ تركيز الحرس الثوري لسيطرته على عملية صنع القرار الإيراني يشير إلى أن المسؤولين السياسيين الإيرانيين الذين يفاوضون حالياً الولايات المتحدة، لا يملكون الصلاحية اللازمة لتحديد المواقف التفاوضية لإيران بشكل مستقل، ويعملون كلجنة منقسمة بين متشدّدين وبراغماتيين، تفتقر إلى موقف، موحّد ومتّسق.
ويبدو أن وحيدي ودائرته الضيقة، قد همّشوا أدوار رئيس الجمهورية، بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، على الرغم من أن الأخيرين يكرران علناً خطاب الحرس الثوري.
بعبارة واحدة، فقد هيمن الحرس الثوري، في انقلاب قصر، على السياسة والحرب والحكم، في إيران، مهمشاً مؤسسات الدولة الأخرى، سواء أكانت منتخبة أم غير منتخبة. ومن هنا، نفهم أنّ قرار العدوان الأخير، الذي نفى وقوعه بعض المسؤولين العسكريين والمدنيين على التلفزيون الإيراني الرسمي، اتخذه الحرس الثوري، من دون تشاور مع قادة هذه المؤسسات، أو حتى إعلامها.
إن إيران كدولة مُختطفة من قبل ميليشيات الحرس الثوري التي يقودها أشخاص مؤدلجون، ويلعبون بالنار مع دول المنطقة، وغيرها، على الرغم مما يبدو من عواقب وخيمة لهذه التصرفات. وعليه، فإنّ الحل لإخراج المنطقة من دوامة العنف، والإرهاب، والترهيب، ليس في التفاوض مع أشخاص لا يملكون القرار، أو الحكم في إيران، وإنما في استعادة الدولة نفسها من زعماء ميليشيات الحرس الثوري.
إنّ استعادة الدولة بالمعنى الذي نطرحه يعني استعادة الدولة من الفاعلين من غير الدول، سواء كانوا فوق المستوى الوطني، أو دونه. كما أننا نعني أيضاً إعادة ترسيخ مبدأ الدولة المسؤولة في النظام الدولي؛ أي الدولة التي تتحمل تبعات قراراتها، وتلتزم بقواعد الاستقرار الإقليمي، وتخضع لمنطق المساءلة لا منطق الإنكار، أو تعدد الواجهات.
[email protected]
د. صلاح الغول
تعاملت القيادة الرشيدة بحكمةٍ بالغة وبشفافيةٍ فائقة مع التنظيم الإرهابي المرتبط بولاية الفقيه في إيران، بعد القبض على عناصره السبع والعشرين لانخراطهم في نشاط سري، والتخطيط لتنفيذ أعمال تستهدف الوحدة الوطنية والسلم المجتمعي والاستقرار السياسي. فقد تم إعلام الكافة في الداخل والخارج بأسماء هؤلاء المتورطين في التنظيم الإرهابي وصورهم، وبالتهم الموجهة إليهم، والإجراءات التي سوف تُتخذ في حقهم.
لكنّ المرجفين في المدينة عموا وصموا أو تظاهروا بالعمى والصمم، فلم يروا صور هؤلاء الذين اشترى العدو أنفسهم وذممهم، ولم يسمعوا إلى البيانات والتوضيحات الرسمية عن سيرة هؤلاء في التخابر مع «الجيران الأعزاء» على الشاطئ الآخر من الخليج العربي، ولم يتحققوا مما يواجهه أصحاب التنظيم «الإيراني» من تهمٍ تُعد خيانةً عظمى في كل الدول. ولكنّ المرجفين في المدينة لم ينتفعوا بما يرونه أو يسمعونه، وأخذوا في إظهار مشاعر الألم لفقد طائفة من «الإخوان» أوالأقارب، وأظهر بعضهم دموع التماسيح على هذا الفقد، وشرع بعضهم الآخر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في الترويج لشائعات ليس لها أساس من المنطق أو الواقع.
هؤلاء المرجفون في المدينة هم أسوأ حالًا ممن خانوا وطنهم وأماناتهم، وباعوا أنفسهم ل«ولاية الفقيه»، بل وأكثر خطراً على الوحدة الوطنية والسلم المجتمعي منهم. ولئن لم ينته هؤلاء عن ترويج الإشاعات، ونشر التضليل، وخلق الحقائق البديلة، فسوف يكون مآلهم نفس مآل الذين اتبعوهم بسوء.
إنني لا أتوجه إلى هؤلاء المرجفين، فهم أهون قدراً على الشعب والوطن من الخائنين، لكني أتوجه إلى إخواني وأخواتي من المواطنين والمواطنات وأقول: لا تألموا لأفعال الخائنين، فهم ليسوا منكم ولم يكونوا كذلك وإن أُتخموا من خير هذا الوطن، فلا يستأهلون ألمكم، فقد خانوكم أنفسكم، وكانوا يكيدون لكم مع أعدائكم، ويتربصون بكم وبوطنكم الدوائر «والله غالب على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون». وكيف تألمون وهم لم يظهروا أي مشاعر عطفٍ عليكم أو رحمة بكم، إذ يبيتون لكم ما لا تتصورون من ضرر، ويؤلبون الأعداء عليكم، ويبصرونهم بالمواقع الحيوية في بلادكم ليستهدفوها، ويهللون لاعتداءاتهم الآثمة التي أصابت إخوانكم وثروتكم الوطنية من بنية تحتية ومؤسسات ومشروعات ومصانع وشركات ومنازل... إلخ.
ولو استطعتُ النفاذ إلى قلوب وعقول هؤلاء الذين تجردوا من كل المشاعر الإنسانية والوطنية مقابل طموحات «إمبراطورية» زائفة تسندها أيديولوجية ثيوقراطية مختلة، أقول: لو استطعتُ النفاذ إلى أفئدتهم، لرأيت أنهم لا يألمون كما يتألم البعض منا لما اقترفته أيديهم، ولا يأسون كما يأسى البعض لمصيرهم. لو استطعتُ النفاذ إلى أفئدتهم، لرأيت أنهم يألمون لفشل مخططهم التخريبي، وعجزهم عن تحقيق أهدافهم الآثمة في النيل من وحدة البلاد والعباد في بر الإمارات، والإضرار بالبيت المتوّحد. نعم، إنهم يألمون كما تألمون، لكن ألمهم غير ألمكم، فألمكم يعبر عن مشاعر فطرية للمواطنة الإيجابية التي ترعاها القيادة الاستثنائية فأنتجت عقيدة تكاملية في صيانة هذا الوطن والذود عنه. أما ألمهم فيتوجه إلى قبلتهم في قم أو الضاحية الجنوبية أو صنعاء لأنهم لم يستطيعوا أن يحققوا أهداف الذين اتبعوهم من هناك بسوءٍ.
ولو استطعتُ النفاذ إلى عقول هذه الشرذمة المرتبطة بولاية الفقيه، لوجدتُها ترجو لو تنزح ثروات البلاد وترسلها إلى الشاطئ الآخر من الخليج العربي. وقد فعلت شيئاً من ذلك. وتتطلع إلى اليوم الذي تتخذ فيه مدننا وقرانا وشعبياتنا أسماء أعجمية، وتطمح إلى إعادة مجدٍ صفوي غابر في المنطقة والعالم.
يقول غسان كنفاني: حينَ تخون وطنكَ، لن تجد تُراباً يحنُّ عليك يوم موتِك، ستشعر بالبرد حتَّى وأنت مَيِّت.
وأختم حديثي ذا الشجون هذا بمقتطفات من كلمة سمو الشيخ سيف بن زايد في القمة العالمية عام 2015 التي حملت عنوان (المواطنة الإيجابية). يقول سموه: إن المواطنة أكثر من مجرد انتماء يتم إثباته بالأوراق الثبوتية، وهي ليست التغني بالولاء والانتماء القولي فقط، وإنما ممارسة الولاء والاعتناء بالوطن ومصالحه العليا على نحو وثيق ومستمر في مختلف الظروف والأوقات. ويؤكد سموه أن المواطنة الإيجابية والوعي والإدراك تمكن الدول من مواجهة الإرهاب، الذّي يعتبر أخطر التحديات التي تواجه المواطنة الإيجابية.
[email protected]
د.صلاح الغول
في تطورٍ مفصلي منذ عقود، وبوساطة أمريكية، تم عقد اجتماع لبناني- إسرائيلي على مستوى السفراء في واشنطن بتاريخ 14 إبريل/نيسان، شارك فيه كل من السفيرين اللبناني ندى حمادة، والإسرائيلي يحيئيل ليتر، لدى الولايات المتحدة، والسفير الأمريكي لدى لبنان، ميشال عيسى. ولإظهار مزيد من الدعم الأمريكي، حضر وزير الخارجية ماركو روبيو الاجتماع، الذي تمخض عن الاتفاق على إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، ووعود أمريكية بمساعدات كبيرة للبنان.
وعلى الرغم من الغموض المبدئي الذي أحاط بمدى ارتباط مفاوضات واشنطن بمفاوضات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران، أكد المسؤولون الأمريكيون انفصال المساريْن، وأنه تم التخطيط لمحادثات واشنطن منذ شهر قبل تأكيد مفاوضات إسلام آباد.
وعقب هذا الاختراق، شدد الرئيس اللبناني جوزاف عون على أن وقف إطلاق النار هو المدخل الطبيعي للمفاوضات المباشرة بين بلاده وإسرائيل. وقد كان! فمرة ثانية، أفضت وساطة أمريكية، عن طريق اتصال هاتفي منفصل للرئيس دونالد ترامب بكل من الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي، عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، في 16 إبريل/نيسان، لمدة أولية قدرها 10 أيام، مع إمكانية تمديدها باتفاق متبادل، لإتاحة المجال لمفاوضات سلام. وقد تعهدت الولايات المتحدة بدعم مواصلة المفاوضات، بما في ذلك ترسيم الحدود والتوصل إلى اتفاق سلام دائم.
وعلى الرغم من الرفض المبدئي للكتلة السياسية الشيعية (حزب الله وحركة أمل) للانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وتصوير الأمر بالتنازل المجاني، أكد الرئيس عون، وغيره من المسؤولين اللبنانيين، المضي في المسار التفاوضي الذي لا يُعد تنازلاً، بل يعد حفاظاً على سيادة لبنان وسلامته الإقليمية واستقلالية سياسته الخارجية، ووقف حربٍ لا ناقة للبنانيين ولا جمل فيها، واتُخذ قرارها خارج إطار الشرعية الوطنية، وعانى أوزارها كل اللبنانيين. ومن الجدير بالذكر أن الكتلة الشيعية، لاسيما حزب الله، وافقت بحذر على اتفاق وقف إطلاق النار، الذي يثبت كل يوم مدى هشاشته بفعل صياغته الفضفاضة، والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة له جواً وبراً، ورد حزب الله عسكرياً لأول مرة (في 21 إبريل/ نيسان) على هذه الانتهاكات.
ولكنّ وقف إطلاق النار الهش لا يزال صامداً، والمسار التفاوضي لم يفقد زخمه بعدْ. فمن المقرر أن يلتقي مسؤولون لبنانيون وإسرائيليون في واشنطن في 23 إبريل/نيسان الجاري، لعقد الجولة الثانية من المحادثات المباشرة على مستوى السفراء. وتهدف هذه الجولة التحضيرية إلى تمهيد الطريق لمفاوضات مباشرة مستقبلية.
وإضافة إلى ما تحدثه المفاوضات من انقسامٍ سياسي في لبنان، والخشية من أن تفضي إلى صراع أهلي في البلاد، أو إلى انقلاب عسكري ينفذه حزب الله ظهرت بوادره قبل اندلاع الجولة الحالية من المواجهة العسكرية في لبنان (2 مارس المنصرم) في أسوأ الاحتمالات، فلا تزال الخلافات قائمة بين المسؤولين الإسرائيليين واللبنانيين حول قضايا عالقة منذ زمن، ما سيواصل تعقيد الجهود الأمريكية للتوصل إلى اتفاق طويل الأمد بين إسرائيل ولبنان.
وتتمحور مطالبات الحكومة اللبنانية في المفاوضات في الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية، ووقف العمليات الإسرائيلية في لبنان، وعودة الأسرى اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل، ومعالجة النقاط ال 13 المتنازع عليها على طول الحدود اللبنانية–الإسرائيلية.
فيما حدّدت إسرائيل ثلاثة شروط أساسية للتوصل إلى أي اتفاق مع لبنان، تشمل: إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني خالية من وجود حزب الله وبنيته التحتية، والحفاظ على حرية العمل العملياتي الكامل ضد أي تهديد في أي منطقة من لبنان، وبدء مسار طويل الأمد لنزع سلاح حزب الله تحت إشراف أمريكي.
وقد أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى فرصة تاريخية تلوح لبلاده، وتتمثل في تجريد حزب الله من سلاحه، وإبرام اتفاق سلام مستدام من موقع قوة.
ولم يبد المسؤولون الإسرائيليون أية نية لانسحاب محتمل من جنوب لبنان، إذ أشار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مارس/آذار المنصرم إلى أن القوات الإسرائيلية ستحافظ على السيطرة على «كامل المنطقة» بين الحدود الإسرائيلية–اللبنانية ونهر الليطاني حتى بعد انتهاء العمليات. وصرّح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالمثل بأن القوات الإسرائيلية لن تغادر جنوب لبنان. وقد أدت هذه القضايا العالقة سابقاً إلى تعثر الجهود الدبلوماسية الأمريكية.
والخلاصة أن ثمة عراقيل جمة وقضايا خلافية بصفة أساسية تواجه المسار التفاوضي المباشر غير المسبوق بين لبنان وإسرائيل، وقد لا يسفر عن اتفاق سلام دائم في الأجل القصير على الأقل. ومع ذلك، وبصرف النظر عما تنجلي عنه المفاوضات، فإن مجرد انطلاقها يعكس عودة الدولة اللبنانية بمؤسساتها الوطنية، المدنية والعسكرية، لممارسة سيادتها وسياستها الخارجية المستقلة عن التدخلات الخارجية والداخلية.
[email protected]
د. صلاح الغول
أظهرت التطورات الأخيرة أن مضيق هرمز، على ضيقه الجغرافي، يمثل نقطة ارتكاز حرجة في النظام الاقتصادي العالمي، وأن أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي في مختلف دول العالم.
وما شهدناه من تعطيل إيران لحركة الملاحة، واستخدام المضيق ورقة ضغط سياسي وأداة ابتزاز اقتصادي، لا يمكن قراءته إلا بوصفه شكلاً من أشكال الحرب الاقتصادية، أو الإرهاب الاقتصادي، وانتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي وهو ما يفرض على دول مجلس التعاون الخليجي الانتقال من منطق الاستجابة الظرفية إلى تبني مقاربة استراتيجية شاملة، وواقعية ومتكاملة للتعامل مع المضيق في المستقبل المنظور.
بادئ ذي بدء، يتعين إعادة تعريف أمن الطاقة بوصفه «أمناً شبكياً»، يقوم على تنويع مسارات تدفق النفط والغاز وتكاملها. ويشمل ذلك تطوير منظومة إقليمية مترابطة من الممرات البحرية والبرية وخطوط الأنابيب، وتسريع مشاريع الربط بين موانئ الخليج العربي والبحر الأحمر، وتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية البديلة لتلك المرتبطة بمضيق هرمز كالسكك الحديدية أو الموانئ التي لا تعتمد على المضيق بشكل أساسي، باعتبارها تأميناً استراتيجياً طويل الأمد لا خياراً تنموياً مؤجلاً.
علاوة على ذلك، ثمة ضرورة لتحييد الممرات البحرية عن طريق قيادة تحرك خليجي–دولي لتجريم استخدام الممرات البحرية أداة ضغط سياسي أو اقتصادي، وتعزيز الحضور الخليجي في المنظمات البحرية الدولية، وتطوير أطر قانونية أكثر إلزاماً لحماية حرية الملاحة، وبناء تحالفات إقليمية ودولية لحماية الممرات الحيوية، انطلاقاً من أن أمنها مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود المنطقة.
ويجب أنْ يتواكب ذلك مع تطوير منظومة ردع خليجية مشتركة، للحؤول دون تعطيل الممرات الحيوية وتوفير حماية لسلاسل الإمداد. ويتطلب ذلك تعزيز التنسيق الأمني البحري الخليجي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتوظيف التقنيات المتقدمة، خاصة الذكاء الاصطناعي، في رصد وتحليل التهديدات البحرية بشكل استباقي، وإشراك القطاع الخاص، ولاسيما شركات الطاقة والشحن، في تطوير آليات تأمين مشتركة لسلاسل الإمداد.
وقد أثبتت أزمة «هرمز» الراهنة أن التركيز على الكفاءة التشغيلية من دون بناء المرونة يمثل مخاطرة استراتيجية. ومن ثم، ينبغي تطوير مخزونات استراتيجية مشتركة إقليمياً تعزز القدرة على امتصاص الصدمات وذلك باعتبارها بنوك سلع ومواد احتياطي استراتيجي لدول الخليج، وتنويع الشركاء التجاريين ومصادر الإمداد، والاستثمار في البنية التحتية اللوجستية والموانئ، بما يدعم استمرارية التدفقات التجارية في مختلف السيناريوهات.
والواقع أن تحميل الأطراف المسؤولة عن تعطيل الملاحة الدولية كامل التبعات القانونية والاقتصادية يمثل ضرورة لضمان عدم تكرار مثــــل هــــذه الممارســات. ويتطلب ذلك دعم آليات دولية لتوثيق الانتهاكات والتحقيق فيها بصورة مستقلة، والعمل على تطوير أطر قانونية تتيح تعويـــض المتضرريــــن مـــن تعطيل الممــرات البحرية، وتوظيـــــــف الدبلوماسيــــــة الاقتصاديــة لضمــان التـــــزام الأطــراف المعنيـة بقواعـد القانون الدولي.
ويمكن لدول الخليج العربي إعادة صياغة دورها في سوق الطاقة العالمي عبر دبلوماسية طاقة نشطة تربط بين استقرار الإمدادات واستمراريتها وتنوعها، من خلال بناء شراكات طويلة الأمد مع الاقتصادات الكبرى تقوم على المصالح المتبادلة، وتعزيز دور دول الخليج العربي كمورد موثوق ومستقر للطاقة، وتقليل فرص تسييس الممرات الحيوية عبر ترسيخ الاعتماد المتبادل.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربة غير تقليدية تقوم على تحويل نقاط الضعف الجغرافية إلى أدوات نفوذ استراتيجي، وذلك عبر مسارين متكاملين، هما: استراتيجية الربط الدفاعي، وتطوير مؤشر خليجي فوري لمخاطر الممرات البحرية. ويقوم المسار الأول على ربط مصالح الدول المستهلكة الكبرى بشكل عضوي باستقرار الممرات البحرية، من خلال شراكات طاقة مهيكلة ومنصات لوجستية عالمية، بما يجعل أي تهديد لهذه الممرات تهديداً مباشراً لمصالح هذه الدول، وبالتالي محفزاً لتحرك دولي تلقائي لحمايتها. وبالنسبة لمسألة تطوير مؤشر خليجي فوري لمخاطر الممرات البحرية، فيقترح إنشاء منصة رقمية مشتركة تعتمد على البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لرصد المخاطر بشكل لحظي، وتوفير إنذارات مبكرة لصنّاع القرار والأسواق، بما يعزز الشفافية ويحد من تقلبات الأسواق الناتجة عن عدم اليقين.
بيد أنّ الأزمة الراهنة تقتضي تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، خاصة الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، وتطوير شبكات الربط الكهربائي الإقليمي وممرات الطاقة البديلة، وتنويع مزيج الطاقة بما يعزز الاستقلالية الاستراتيجية لدول الخليج العربي.
وفي ظل متابعة الجهود الدولية لوقف التصعيد، تبرز أهمية ضمان التزام كامل بوقف الأعمال العدائية وإعادة فتح الممرات البحرية بشكل غير مشروط، وتطوير آليات رقابة دولية فعالة لضمان استمرارية حرية الملاحة، وإعداد خطط طوارئ خليجية مشتركة للتعامل مع أي انتكاسات محتملة.
إن ما شهدناه في مضيق هرمز لا يمثل أزمة عابرة، بل نقطة تحول استراتيجية تفرض إعادة بناء مقاربتنا لأمن الطاقة.
ولم يعد هذا الأمن قابلاً للإدارة بمنطق الدولة المنفردة، بل يتطلب رؤية جماعية خليجية قائمة على التكامل والمرونة والابتكار.
وفي هذا الإطار، تواصل دولة الإمارات دورها في تعزيز كفاءة ومرونة الممرات الحيوية عالمياً، والاستثمار في البنية التحتية البحرية واللوجستية، بما يدعم سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
كما تؤكد التزامها بالعمل مع شركائها لضمان أن تبقى الممرات المائية الدولية، وفي مقدمتها مضيق هرمز مفتوحةً.
[email protected]
سعدتُ بحضور ندوة: «بنظهر أقوى: الأزمات واستدامة الجاهزية الإماراتية»، التي نظّمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، برفقة نخبة من الخبراء والباحثين والأكاديميين وصناع القرار. وقد اُقتبس عنوان الندوة من عبارة قويّة وبليغة لصاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، خلال زيارة سموّه لعدد من مصابي الاعتداءات الإيرانية السافرة في 7 مارس المنصرم. والعبارة المُحمدية «ترانا بنظهر أقوى» تجسِّد الجاهزية الإماراتية بوصفها نهجاً راسخاً يجمع بين حكمة القيادة وكفاءة المؤسسات ووعي المجتمع.
وانطلاقاً من خطاب القيادة الرشيدة، عملت دولة الإمارات على بناء حالة وطنية شاملة من التأهب والجاهزية في مختلف القطاعات وعلى مدار زمني متصل، دفع بكثيرين للتعجب، وقليلين للإعجاب بالجهد الإماراتي المبذول لتحقيق ذلك دونما أن يدرك جلهم الغاية الحيوية من وراء ذلك.
فالجاهزية في دولة الإمارات ليست وليدة أزمة أو موقف فردي، بل هي نهج مؤسسي مستقر ومتراكم. فقد أطلقت دولة الإمارات «علامة الجاهزية للمستقبل: جاهز للمستقبل»، وهي علامة وطنية أطلقها مكتب التطوير الحكومي والمستقبل في حكومة دولة الإمارات، وتُمنح لمشاريع المؤسسات الحكومية الاتحادية والمحلية التي تعزز جاهزية الحكومة والدولة للمستقبل، عن طريق تصميم وتطوير وتنفيذ مبادرات ومشاريع استباقية واستثنائية، تتبنى رؤى وأفكاراً مستقبلية جريئة وعملية تحقق نتائج واضحة ومحددة وملموسة وإنجازات بشكل عملي ومؤثر، وتستثمر في مهارات المستقبل وتعتمد التكنولوجيا المتقدمة.
وتركز علامة الجاهزية للمستقبل على مشاريع الجاهزية التي يتم تصميمها في قطاعات المستقبل ذات الأولوية، مثل الاقتصاد الجديد، والتكنولوجيا المتقدمة، والأمن الغذائي والمائي، والاستدامة البيئية، ومهارات المستقبل، وجودة الحياة. أما على المستوى القطاعي، فقد أُطلق برنامج الإمارات للجاهزية والاستجابة الطبية «جاهزية» بمبادرة من مكتب فخر الوطن وأطباء الإمارات في بادرة تعد هي الأولى من نوعها في المنطقة، تهدف إلى بناء قدرات خط الدفاع الأول وزيادة جاهزيتها وتأهبها للاستجابة الطبية في حالات الطوارئ والكوارث والأزمات، من خلال منهج موحد ومعتمد دولياً وبشراكة استراتيجية مع شركة أبوظبي للخدمات الصحية «صحة»، وكلية فاطمة للعلوم الصحية، والمؤسسة الوطنية للتدريب «تدريب»، في إطار تعاونهم المشترك لتزويد العاملين في خط الدفاع الأول في الإمارات ببرامج تدريبية موحدة ومعتمدة دولياً لإدارة الطوارئ والكوارث تتبع المعايير العالمية لطب الطوارئ والأزمات.
كما دشنت أعمال الملتقى الوطني للاستجابة للطوارئ «استجابة»، الذي ينظمه برنامج الإمارات الوطني للجاهزية والاستجابة «جاهزية»، ضمن خطة استراتيجية تستهدف تدريب 20 ألفاً من كوادر خط الدفاع الأول في القطاعات الصحية والإسعافية والأمنية والحيوية، وفق منهج وطني موحد ومعتمد.
وعلى مستوى الموارد البشرية، يُعد «جاهز» أحد المشاريع التحولية الكبرى التي أطلقتها حكومة دولة الإمارات، بهدف تعزيز جاهزية المواهب الحكومية الاتحادية، ودعمها بمهارات المستقبل.
وعلى مستوى الدفاع المدني، أطلقت القيادة العامة للدفاع المدني في دبي مبادرة جاهزية المليار كبرنامج إنساني عالمي، يهدف إلى تدريب مليار شخص حول العالم بحلول عام 2027، بهدف تعزيز الوعي بالسلامة من الحرائق، ورفع مستوى الجاهزية العالمية للطوارئ. وتُعد هذه المبادرة إحدى المبادرتين الرئيستين إلى جانب قوافل الأمل، وتهدفان معاً إلى تعزيز قدرات الوقاية والاستجابة لمخاطر الحرائق على مستوى العالم، بهدف إحداث نقلة نوعية في مجال السلامة من الحرائق عالمياً، من خلال نشر ثقافة الوقاية والاستعداد عبر التعليم الجماهيري والتدريب المتاح للجميع، وذلك بمشاركة 34 دولة، بمساندة 16 منظمة إطفاء رئيسية لينتج عنها تدريب مليار شخص حول العالم على أسس الوقاية والسلامة من الحرائق.
وعلى المستوى العسكري، تعرّضت دولة الإمارات، منذ 28 فبراير المنصرم وحتى 6 إبريل/نيسان الجاري، لهجمات إيرانية عدائية سافرة، قدرت بأكثر من 2755 صاروخاً باليستياً وجوالاً وطائرة مسّيرة، بنسبة 57% من الصواريخ والمسيرات التي أطلقتها إيران على دول مجلس التعاون الخليجي. ومن المفارقة أنّ دولة الإمارات كانت أقل الدول تضرراً من حيث الخسائر المادية، والأعلى من حيث نسبة تحييد الهجمات الصاروخيّة والجوية الإيرانية، التي بلغت نحو 96%. وقد ألقيتُ الضوء على كفاءة الدفاع الجوي الإماراتي في مقال سابق على صفحات الخليج بعنوان: «درع السماء الخليجية»، ما يكشف بجلاء عن اليقظة الدائمة والجاهزية العالية التي أسستها كافة مؤسسات وأجهزة الدولة على مدار سنوات من العمل للتعامل مع مختلف المخاطر.
ولعل أبلغ أثر لهذه الجاهزية التي أسستها الدولة أن حياة الأفراد العاديين لم تتأثر في مختلف الأنحاء بدولة الإمارات، لتستمر دولة الإمارات واحة للأمن والاستقرار ونموذجاً للجاهزية والتأهب في زمن اللايقين.
وأحب أنْ أختم هذا الحديث بجزء من مداخلة د. سيف الظاهري، المتحدث باسم الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، حيث أوضح «أن قصة الإمارات هي قصة شعب أتقن الجاهزية وحوّل التحديات إلى فرص، وأن الجاهزية فيها ليست ردّ فعل، بل نهج دولة.. لا ننتظر الأزمات، بل نسبقها ونصنع منها النجاح».
[email protected]