النّموذج الصّينيّ في بناء الأولويّات

00:42 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبد الإله بلقزيز

تُطْلِعنا تجارب التّاريخ الحديث والمعاصر على حقيقةٍ سياسيّةٍ تَوَاتَر ظهورها واستواؤها؛ هي أنّ البلدان والدّول الكبرى التي أنجزت تنميّتها الوطنيّة، واحْتازت أسباب التّقدم، وقَوِيَتْ شوكتها فصارت دولاً عظمى، لا تلبث أن تسارع إلى ممارسة دورٍ سياسيّ وعسكريّ إمبراطوريّ في محيطها المباشر، ابتداءً، ثمّ في العالم تالياً. وهي جميعُها سلكت هذا المنحى من ترجمة فائض القوّة التي لديها على المنوال الإمبراطوريّ الرّومانيّ الذي كان لها نموذجاً ومرجعاً، فتداعى بعضها مع الزّمن وبقيَ بعضُها يخوض المنافسة.

هذه، مثلاً، حال المملكة الإسبانيّة - وإلى حدٍّ مّا البرتغال - في القرنين السّادس عشر والسّابع عشر، وبريطانيا وفرنسا في مرحلتهما الاستعماريّة بدءاً من نهايات القرن الثّامن عشر، والولايات المتّحدة والاتّحاد السّوفييتي في القرن العشرين. حتّى اليابان، في عهدها النّهضويّ، وألمانيا، في عهدها النّازيّ، ركبتهما النّزعة الاستعماريّة الإمبراطوريّة فتصرّفتا كدولتين من الدّول العظمى. هذا فضلاً، طبعاً، عن سابقة الإمبراطوريّة العثمانيّة قبل القرن التّاسع عشر.

في هذه الحالات جميعها، كان الشّعور بالقوّة يقترن بتحقيق التّقدُّم في مضامير الصناعة والتّنمية وبناء القدرة العسكريّة الضّاربة، فيولِّد الشّعور بالحاجة إلى ترجمة ذلك كلِّه في دورٍ سياسيّ يُجاوِز نطاق الدّولة القوميّة وعلاقاتها الخارجيّة، ويتطلّع إلى إدارة شؤون العالم، أو قسمٍ من العالم، أو يرمي إلى حيازة حصّةٍ معتَبَرَة في الإدارة السّياسيّة لشؤون الحرب والسّلام وصناعة الخرائط في العالم.

وفي الغالب، كان انتحال هذا الدّور السّياسيّ الإمبراطوريّ من قِبل الدّول الكبرى يأخذ هذه الأخيرة إلى التّوحُّل في أوحال الأزمات العالميّة والحروب، ويستنزفها مادياً وبشرياً، فينال من قدْراتها ومن كلّ ما ابْتَنَتْهُ وحصَّلَتْهُ من مكتسبات لِيُعجّل، بالتّبعة، بإضعافها وتوهين مكانتها.

انفردت الصّين، من دون سائر دول العالم الكبرى، بأنّها لم تَجْنَح لهذا المنحى من الاندفاع إلى أداء دورٍ سياسيّ إمبراطوريّ في العالم. ومع أنّ اقتصادها قويّ ويجاوز اقتصادات دول الاتّحاد الأوروبي مجتمعة، ويمثّل ثاني أكبر اقتصاد في العالم؛ ومع أنّها تنافس الولايات المتّحدة، منافسة ندّيّة، في الصّناعة والتّكنولوجيا والإنتاج وتتجاوزها في عدد براءات الاختراع؛ ومع أنّ نفوذها الاقتصاديّ والتّجاريّ والاستثماريّ في العالم نفوذٌ إمبراطوريّ، وتفرض سيطرتها على الأسواق في العالم بما فيها السّوق الأمريكيّة والأسواق الأوروبيّة؛ ومع أنّ سياساتها النّقدية والتّجارية هي التي توطِّد مكانة الدّولار كعملةٍ مرجعيّة في العالم... إلخ، مع ذلك تُحجم عن ترجمة نفوذها الاقتصاديّ والتّكنولوجيّ الهائل إلى نفوذٍ سياسيّ يُساوِقُه أو يستثمر مكتسباته استثماراً سياسيّاً مُجْزِياً.

وليس من شكٍّ في أنّ الصّين تبني قدرةً عسكريّةً استراتيجيّة هائلة، وأنّ إنفاقها العسكريّ هو، اليوم، ثاني أضخم إنفاق عسكريّ في العالم بعد الولايات المتّحدة. لكنّها تفعل ذلك لسببٍ موضوعيّ هو الدّفاع عن نفسها ومكتسباتها من أيّ تهديد، خاصّةً في سياق استفحال أزمة العلاقة بواشنطن، وتكثيف الأخيرة نشر قطعها البحريّة العسكريّة في بحر الصّين الجنوبيّ. أمّا دون ذلك فلم تُبْدِ نيّةً في أيّ مواجهةٍ عسكريّة في العالم، هي التي لا تاريخَ استعماريّاً لها. والتّهديد العسكريّ الوحيد الذي تلوّح به هو المتعلّق بتايوان؛ وهو قد يكون مفهوماً في ضوء مطلبها التّاريخيّ باستعادة هذه الجزيرة التي كانت جزءاً من كيانها تاريخيّاً.

لقد اختارت، منذ بداية ميلادها الحديث عقب ثورة العام 1949، نظاماً للأولويّات مميَّزاً: التّفرُّغ للبناء الدّاخليّ والانسحاب من مشكلات العالم وأزماته إلاّ ما كان منها وثيق الصّلة بالأمن القوميّ الصّينيّ (من قبيل حربيْ الكوريّتين وڤييتنام). ولقد نأت بنفسها، مثلاً، عن الاستقطاب الدّوليّ والحرب الباردة منذ عهد ماوتسي تونغ، ثمّ زادت وعمَّقت هذا المنحى في عهد دينغ سياو بينغ. وما إنِ انتهت الحرب الباردة، بعد أن أنهكتِ العظمييْن، حتّى صحا العالم على صعود المارد الصّينيّ: الوحيد الذي لم يُرهِق نفسه بتكاليف تلك الحرب ولا الانغمار في أزمات العالم؛ والوحيد الذي قدّم للعالم نموذجاً لبناء القوّة العظمى من دون استعمار أو حروب واقتسامِ غنائم وإقامة مناطق نفوذ...

من البيِّن، إذن، أنّ تجربة الصّين في التّنميّة وتحقيق التّقدّم واكتساب موارد القوّة نموذجيّةٌ في بابها وغيرُ مسبوقة. إنّ سرّ نجاحها يكْمَن في القاعدتين التي أخذت بهما والتزمتهما طوال السبعين عاماً الماضية: الاعتماد على الذّات وعلى الموارد البشريّة القوميّة، والتّفرُّغ للبناء الاقتصاديّ والتّنميّة العلميّة بعيداً من مشكلات السّياسة الدّوليّة.

[email protected]

https://tinyurl.com/bdh58tfd

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"