برق بلا رعد

00:44 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

في «الجمهورية» الحائرة لم يكن من الصعب استشراف التحوّلات والانهيارات التي ستعصف بلبنان قبل الحراك المتحيّر بين الانتفاضة و«الثورة»، منذ ما قبل 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

ثلاثة أساتذة جامعيين بادرنا، قبل عقد، بقرع أجراس الخوف من المستقبل: الدكتور عصام خليفة المرشّح الجدّي لرئاسة الجمهورية اللبنانية المتحيّرة اليوم، والدكتور بشارة حنّا، وكاتب هذا النص. ترصّدنا، بخوفٍ وقلق، تزامن الاحتفال الرسمي مع مرور 100 عام على ولادة لبنان الكبير في الـ1920، بانهيارات كبرى انتظرناها، ونبّهنا لها عبر نصوصنا ولقاءاتنا في الجامعات أوّلاً. كان لا يمكن لعاقلٍ فصل الانهيارات عن الفشل السياسي المقصود. كان ترقّب مصير الهبّة التي عمّت لبنان، وراحت تُقارع الجدار الرسمي «المشقوع» بالكوارث، والمتعامي إلاّ عن السجالات والصراعات الداخلية المتراكمة، من دون أي اعتبار لانهيارات الوطن فوق رؤوس أهله.

نبّهنا للمخاطر المحدقة بلبنان، في زيارات للمسؤولين، كما عبر الاجتماعات والمحاضرات والمناسبات واللقاءات الإعلاميّة والمذكّرات والدراسات التي أرسلناها وسلّمناها باسم «التجمّع الأكاديمي للأساتذة الجامعيين» الذي ضمّ مئات الأساتذة والطلاب الجامعيين، إلى المسؤولين والمنظّمات الدولية، ونشرنا عيّنات منها في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وجذبت الرأي العام، من دون أيّ اعتبار من قبل المسؤولين. كنّا على يقين بأنّ مستقبلاً قاتماً يزداد سواداً ينتظر اللبنانيين المستمرّين في كظم ضيقهم، وتراجعهم، وهجرة شبابهم وشاباتهم، على وقع الوعود الفارغة التي كنّا نشير إليها بصفتها المؤشرات الخطيرة التي ستحطّ بهم في المجهول.

إن احتكاكنا اليومي بالأجيال في أحرام الجامعات، وفي طليعتها الجامعة اللبنانية، والمنتديات والجمعيات الثقافية والاجتماعية، جعلنا أكثر إدراكاً ومسؤوليّة وقناعة لما هو آتٍ من سقوط. وعلى الرغم من الآمال والإيجابيات التي كانت، وما زالت، تحكم أنشطتنا، كانت هناك قناعة راسخة صادمة تلازمنا بأنّه لا يمكن ترك لبنان ينهار أمامنا، ولا بدّ من نقد الإمعان في السياسات المتنافرة التي تديرها المرجعيات، الحزبية والطائفية الفاسدة، التي تتقاسم بشكلٍ فاضح السلطات والمناصب والمال العام في لبنان، إضافة إلى المكابرة لتسليم بقايا الوطن المهرّب إلى أولادهم وأحفادهم وأزلامهم، بما يبقي لبنان عقاراً خاصاً جاهزاً للإفلاس رهن إشارات المنظمات الدولية.

وكنا، وما زلنا على قناعة بأن اللبنانيين ينزلقون أكثر فأكثر نحو التخبط في مجاهل شاقة ووعرة في تاريخ لبنان الحديث، المتهالك بين أيدي حكّامه وسياساتهم، متيقنين بأنّ المجابهة والتوعية والإضاءة والتقويم والإيجابية في المحن الكبرى هي من أبسط الواجبات الأكاديمية والوطنية، ومن غير المسموح التفرّج على وطن ينهار من حافة السقوط متعدّد الوجوه التربوية والاجتماعية والمالية والاقتصادية والنقدية، ويؤرّق حياة اللبنانيين بما يتجاوز ما عانوه في أحلك الظروف منذ «سفر برلك»، إلى اليوم، عبر الإعلان عن دولة لبنان الكبير.

وتساءلنا: هل لنا أن نجمع بعض النصوص التي شبّهناها بالبروق الاستشرافية المتلاحقة التي كانت تخيفنا وتلهبنا قبل نزول الناس إلى الساحات وقمعهم في تلك الساحات؟

كان لا بدّ من ذلك، بعد أن رفعنا قواعد الأعمدة التي تنقذ اللبنانيين، وفي طليعتها القضاء المستقل العادل، والمساءلة والمحاسبة، ومؤسسة الجيش، وأساتذة الجامعات ورجال القانون، وكيفية استرداد الأموال المنهوبة، وغيرها الكثير التي تناولناها في كتاب عنوانه: «بريق الثورة في لبنان».

كانت تلك البروق عفوية، كأنها تتحسّس رعود الانتفاضة، أو الثورة الطبيعية. عكست بوضوح استقلالية الرؤية والتوجّه، كأنها البروق اللاذعة للأحاسيس الوطنية على كوارث لبنان، شرحنا فيها أبعاد المآزم المرتقبة كأننا التقطنا بعض البروق بين أيدينا، منبّهين إلى مخاطرها قبل أن تتحوّل إلى رعود في الساحات والجادات، طلباً للبنان الجديد الظاهر في حناجر الشابات والشباب، ولوضع حدّ فاصل نهائي بين لبنان الهرم العتيق، الحزبي الطائفي المقيت، ولبنان المعاصر والحديث والحرّ والديمقراطي، بالأفعال والأحكام والقوانين لا بالشعارات والخطب الفارغة.

كان هناك استحالة في التوفيق بين «الثورة» والدولة، أو مصالحة البرق والرعد في لبنان.

أوّلاً لأن «الثورة» بقيت بين قوسين لتميّزها عن الثورات الملونة والناعمة والدموية، وأعباؤها ضخمة وثقيلة عبر التاريخ، ولأن الدولة، ثانياً، بسياساتها الارتجالية المعتادة باقية بين قوسين بسبب مشاعية الحريّة والسياسات الطائفية، والحلول المستوردة الخارجية، التي جعلت وطننا أرض شعوب وقبائل، تسرق وتتقاتل داخل الأسوار الضيقة، يتخبّطون بأزماتهم المستعصية فيتعزّز الخلل الاجتماعي، ويشيع البؤس والإهمال والجهل، وتنتفي الثقة على أبواب المصارف والمستشفيات والاجتماع والتعليم، وتعمّ البطالة، وتتفشى النفايات والأمراض في دولة غير صالحة للسكن، مفككة، تنتظر الحلول من فرنسا وأمريكا وروسيا والصين والبنك الدولي والأمم المتّحدة، ومن دول الخليج والسعودية وإيران، وكلّ من همّّ بقرع الأبواب المهترئة.

[email protected]

https://tinyurl.com/msbhupye

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"