أزمة أوكرانيا بين التهدئة والتصعيد

00:14 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمود حسونة

أربعة أيام ويبدأ الشهر العاشر من عمر الحرب الروسية الغربية في أوكرانيا، الحرب التي ألقت بظلالها القاتمة على كل سكان الأرض، فمن لم تقتله الآلة العسكرية، عانى الجوع والعجز عن توفير لقمة العيش. ومن لم تدمر بناه التحتية أحدث الأسلحة والصواريخ اهتز اقتصاده وارتفعت لديه نسب التضخم. ومن لم يكن طرفاً في الحرب العسكرية أُجبر على خوض حرب اقتصادية أفرزت معاناة وقلاقل اجتماعية. ومن لم تشرده الحرب وتجبره على اللجوء وترك دياره ومتاعه، جلس في بيته مرعوباً من برد الشتاء في ظل أزمة طاقة قد تجبره على العودة إلى حياة العصور الوسطى، بعد أن جمع الحطب وخزّنه ليكون وسيلته للتدفئة.

انقضت تسعة أشهر، ولم ينتصر طرف على الآخر، ولم يجن العالم سوى أزمات تلو أزمات، ويبدو أن مشعليها أدركوا أخيراً أنها لن تحقق مرادهم، وأن احتمالات النصر مستبعدة، واحتمالات الهزيمة قائمة، كما أدرك من يسكبون الزيت على النار ويوفرون لها السلاح والعتاد، أنها مهما طالت لن يخرج منها أحد منتصراً، وأن خسائرها أصبحت عبئاً غير محتمل على اقتصادات الدول الأطراف في الصراع، وعلى اقتصاد العالم، فبدأوا يعيدون التفكير، ويدركون أن هذه الحرب يمكن أن تتسع وتغرق العالم كله في جحيم يحرق الجميع، وفي ظل التهديدات القادمة من الشرق باستخدام السلاح النووي، والردود التصعيدية عليها من الغرب، بدأت الأطراف الفاعلة تدرك أن الطريق الوحيد للنجاة هو العودة للغة العقل والمنطق والجلوس على مائدة المفاوضات.

روسيا تيقنت أن هذه الحرب ليست نزهة لقواتها كما كانت تتوقع، وأنها تختلف عن الحروب التي خاضتها من قبل، في الشيشان وجورجيا، وأن سيناريو ضم شبه جزيرة القرم قبل ثماني سنوات أصبح من الصعب تكراره، ولذا فقد اتخذت قرارها بالانسحاب الطوعي من خيرسون.

الانسحاب من خيرسون قرار صعب، كما وصفته القوات الروسية المنسحبة، وسواء كان تكتيكياً وستتبعه إعادة انتشار ثم إعادة انقضاض، أو كان نتيجة تسليم بأن استمرار الحرب لن يسفر سوى عن هلاك وخراب للجميع، وأن مغانمها أقل من خسائرها، فإن الانسحاب الروسي قد تزامن مع أنباء عن مفاوضات سرية بين مستشار الأمن القومي الأمريكي ونظيره الروسي للبحث عن حلول دبلوماسية لإنهاء الحرب، وتزامن أيضاً مع النداء الذي وجهه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، باسم الرؤساء والملوك الذين شاركوا في قمة شرم الشيخ للمناخ، وتزامن مع إبداء زعماء أوروبيين استعدادهم للوساطة لوقف الحرب، وتبعه ترحيب صيني بالحوار، وتزامن مع إعلان نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وتزامن مع خفوت صوت التهديد باستخدام النووي. ولعل كل ذلك يكون دافعاً لاتخاذ خطوات فعلية على طريق البحث عن حلول فعلية على طريق الحل الدبلوماسي والانتقال بالمفاوضات من إطار السرية إلى العلنية.

الطريق إلى الحل السياسي لن يكون ممهداً وقد يستغرق وقتاً، وستتأرجح المؤشرات بين التهدئة والتصعيد بعض الوقت، ولعل الصاروخ الذي سقط في بولندا كان هدفه توسيع رقعة الصراع وتوريط «الناتو» فيه عسكرياً، كما أن تصريحات العرقلة تتزايد، خصوصاً عن التعويضات وجرائم الحرب، كأن من يدلون بها لا يدركون أن الحرب في ذاتها جريمة عظمى تنجم عنها الكثير من الجرائم التي لا تغتفر، ولكن استمرارها هو الجريمة الأكبر التي يمكن أن تسفر عن كوارث أكبر، وخراب لا محدود، ما يجعل الحل السلمي، رغم صعوبته، ليس مستحيلاً إذا توافرت الإرادة لدى مختلف صناع القرار لوضع نهاية لهذه المأساة.

هذه الحرب لم تتكبد خسائرها الدول الفاعلة فيها فقط، ولكن جميع دول العالم، وامتدت نيرانها لتلسع كل الشعوب، بعد أن أفرزت ركوداً اقتصادياً، وأزمات في الغذاء والطاقة، ولذلك فإن أنباء التفاوض السري بعد الانسحاب من خيرسون قد تكون الأمل الصغير الذي يعيد ضخ الدماء في شرايين العالم الاقتصادية المهترئة، وبالتأكيد ستكون أملاً لكل إنسان يتمنى لهذا العالم أن يتجاوز أزماته التي ألقت بظلالها علينا جميعاً.

[email protected]

https://tinyurl.com/5drxy73t

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"