مستقبل العالم لا يزال في يد أمريكا

00:04 صباحا
قراءة 4 دقائق

ما الجديد في هذا العنوان؟ ألم يلقَ العالم بنفسه في أحضان أمريكا منذ أن اقتربت نهاية الحرب العالمية الأولى وانعقد مؤتمر فرساي، وصدور إعلان الرئيس وودرو ويلسون، بنقاطه الأربع عشرة؟ ألم تتأكد البشرية من أن مستقبل العالم عاد ليضع نفسه في يد أمريكا التي سرعان ما انضمت إلى معسكر الحلفاء في أعقاب الهجوم على بيرل هاربور، وعلى الفور راحت تحارب في جبهتين، جبهة القتال وجبهة مفاوضات لبناء نظام عالمي يحل محل النظام الذي انتهى بالعالم الى حرب عالمية ثانية؟ وضعت أمريكا أثناء الحرب أسس نظام القطبين، ودافعت عنه إلى أن أفلس وانفرط من دون حرب، فقام نظام القطب الأوحد. وقادت العالم منفردة، ولكن محتفظة بالأسس المؤسسية التي أرستها خلال الحرب العالمية الثانية. وبقيت الأمم المتحدة، وكل أجهزتها تعمل خلال مرحلتي القطبين والقطب الأوحد. تصرفت أمريكا ضمن إطار الشرعية الدولية في قضايا عدة، وتصرفت ضد هذه الشرعية في قضايا أخرى، أشهرها غزو واحتلال العراق، الدولة المستقلة ذات السيادة.
  من حيث الشكل لا تزال الولايات المتحدة تقود العالم منفردة، وفي الوقت نفسه تدير منافسة اتخذت في بعض مراحلها طابع الشراسة. وبدأت المنافسة متدرجة في عصبيتها عندما تأكدت أمريكا، والعالم بأسره، أن الصين حققت، ومستمرة في تحقيق، درجات متصاعدة من التفوق الاقتصادي والاستقرار السياسي والسمعة الدولية، بخاصة في علاقاتها بالدول النامية، وباحترامها ميثاق الأمم المتحدة ومواثيق المؤسسات الأخرى التابعة للمنظمة الدولية، الاحترام الذي شفع لها لدى مختلف الدول الكبرى، بخاصة الولايات المتحدة لتنضم لمنظمة التجارة العالمية ولتزداد انطلاقاً. ولم يحدث في أي مرحلة مبكرة من مراحل هذا الصعود أن ووجهت الصين من جانب أمريكا بمواقف عدائية، أو معرقلة لهذا التفوق. بمعنى آخر كانت الولايات المتحدة، وهي القطب الأوحد، والقائد للنظام الدولي، تدعم الصين في مرحلة لعلها كانت الأهم والأشد حرجاً في مسيرة الصعود إلى مصاف القمة.
  اللافت للانتباه في هذه المسيرة، أن الولايات المتحدة كانت مدركة لحقيقة تاريخية، وهي حتمية الصدام بين قوة قائمة وقوة صاعدة. أدركت هذه الحقيقة مع الصين، ولم تعترض مسيرة صعودها. وقيل في تفسير هذا الموقف المخالف للحقيقة التاريخية ان أمريكا كانت في حاجة لتتعاون مع قوة صاعدة لتستفيد، خاصة أن كلاً منهما سوق هائلة للآخر. أما عن الحقيقة التاريخية فقيل إنها غابت، أو غيّبت بتأثير الثقة الزائدة التي تضخمت في ثنايا العقل السياسي الأمريكي لطول المدة التي قضتها واشنطن تقود النظام الدولي منفردة في حقيقة الأمر، أو بمشاركة في الأغلب رمزية من جانب القطب السوفييتي.
  دفعني إلى اختيار هذا العنوان لمقال الأسبوع، تطور جوهري في جانب من جوانب الحرب المثيرة للجدل في أوكرانيا. إذ ترددت في أجهزة الإعلام، في الأيام الأخيرة، تصريحات وتسريبات أعتقد أنها متعمدة عن مواقف وملاحظات لمسؤولين في بعض دول الغرب تنم عن رغبة في تخفيف الالتزام بدعم الأوكرانيين في حربهم ضد جيوش روسيا. 
  مرت فترة شهدت حماسة منقطعة النظير داخل معسكر الغرب. كان الظن أن الحرب ستكون قصيرة. ولم ينتبه معظم القادة، أو انتبهوا وانصاعوا، إلى أن هذه الحرب ربما تكون لغرض آخر غير معلن مثل استنزاف روسيا تمهيداً لإخراجها من سباقات القمة الدولية، أو لغرض ثالث وغير معلن كذلك، وهو تخويف الصين من مصير محتوم إن استمرت في صعودها المتسارع، بينما مظاهر الانحدار الأمريكي تتواصل وتتعدد، بخاصة في الجوانب الداخلية. وطال أمد الحرب. وأظن أن أطرافاً غير قليلة توصلت إلى أن التجربة الأوكرانية فشلت، فحقّ للأوروبيين، حلفاء أمريكا أن يترددوا، وربما حق للرئيس بايدين نفسه، أن يستبدل لهجة الاعتدال بلغة العنفوان، وبعد أن رصدت أجهزته أن دولاً عدة في أوروبا تغيرت نبرة خطابها السياسي المتعلق بهذه الحرب، وبعد أن ترددت مخاوف بين عسكريين غربيين من عواقب خطرة تشمل الجميع إذا استمرت هزائم روسيا على أيدي مدافعين أوكرانيين مدعومين بأموال وأسلحة غربية.
 أما نحن، فلا يجب أن نتجاهل أمرين، أو اجتهادين، ولا أقول حقيقتين. أولهما: المقابلة المطولة التي جرت بين الرئيسين، الصيني والأمريكي، على هامش قمة العشرين في بالي، قمة تحتاج منا إلى نظرة متعمقة، ولقاء لا نعتبره لقاء كغيره.  أتصور أن في العمق عرضاً من الصين سبقه تمهيد بين خبراء الدولتين. والعرض الصيني يستبق سنوات، وربما عقوداً في علاقات الدولتين، ويعتمد على الاعتراف فوراً، بأن أمريكا باقية قطباً لا غنى عنه، وعن قيادته، والصين قطب صاعد في القوة والمكانة ولا غنى عنه، لشراكته وتحمّله أنصبته في مسؤولية قيادة العالم. وحديث الرئيس الصيني عن استعداد الصين للتعاون الكامل مع الولايات المتحدة كان معنياً بإبلاغ الرئيس الأمريكي أن الرئيس شي يأتي إلى هذه القمة يحمل تفويضاً من المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني لفتح عهد جديد من التعاون مع أمريكا، يتدرج صعوداً ليصير على مستوى شراكة في قيادة العالم.
  ثاني الأمرين، أو الاجتهادين، هو اعتراف أمريكي، لا يقل أهمية عن اعتراف أمريكي آخر حمله الرئيس رتشارد نيكسون، وبصحبته الدكتور هنري كيسنجر، نقل فيه حاجة أمريكا إلى خروج الصين من عزلتها. ربما مست هذه الحاجة في وقتها، أي قبل نصف قرن، ظروف الحرب الباردة في العلاقة بين طرفي القمة الدولية، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. 
 وأتصور، ولن أكون مخطئاً في تصوّري، أن النظام الدولي ربما بدأ، هذا الأسبوع، يخطو خطوات مهمة في تجربة انتقال جديدة من عهد إلى عهد.

https://tinyurl.com/mrx5vcz3

عن الكاتب

دبلوماسي مصري سابق وكاتب متخصص بقضايا العلاقات الدولية. اشترك في تأسيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام. وأنشأ في القاهرة المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل. عضو في مجلس تحرير جريدة الشروق المصرية ومشرف على صفحة الرأي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"