عادي

فضاءات إبداعية في «شموع بعيدة عن القمر»

23:23 مساء
قراءة 4 دقائق
محمد حسن الحربي

الشارقة: علاء الدين محمود
ربما أكثر ما يميز الكاتب الإماراتي محمد حسن الحربي، هو ذلك التنوع في مواضيعه التي ينتقيها، وهو كذلك متعدد في مواهبه، حيث إن في رصيده مؤلفات روائية وقصصية، إضافة إلى كتابات في جانب تخصصه الصحفي والإعلامي، ومن أشهر إصداراته: «تريم كما عرفته»، و«الشارقة الحديثة»، وهو عبارة عن مقالات في المشهد الثقافي والإعلامي، وله أيضاً مجموعات قصصية مثل: «الخروج من وشم القبيلة»، و«لفائف الربع الخالي»، و«حكايات قبيلة ماتت»، وله رواية بعنوان «أحدث مدينة على الشاطئ»، ومؤلف حول «الرواية والقصة القصيرة في الإمارات»، إضافة إلى مؤلفات في مجال التعليم.

يمارس الحربي في كتابه «شموع بعيدة عن القمر... قراءات في أعمال سردية مختارة»، وصدر عن «كتاب الإمارات» فعل التنقيب النقدي والفكري الذي يقدم جديداً، ويقود القارئ في رحلة تطواف بديع على بعض النصوص السردية التي شكلت حضوراً مميزاً في المشهد الثقافي الإماراتي والعربي، وكذلك مقالات حول بعض نجوم الأدب في الإمارات، ويقع في 164 صفحة، وهو زاخر بالمعلومات الجديدة، وبالقراءة التي تنطلق من رؤية الكاتب وثقافته المعرفية، بأسلوب تتوفر فيه عوامل المتعة والتشويق، فهو يقدم باقة زهور من تلك البساتين التي ولج إلى عوالمها مصطحباً معه القارئ معرفاً بتلك الشخصيات وأثرها في الحراك الثقافي الإماراتي والعربي.

1

وينقسم الكتاب إلى قسمين، الأول يحتوي على قراءات للكاتب في نصوص قصصية وروائية مختارة، ويشير المؤلف في مقدمته، إلى أن هذه القراءات هي بمثابة محاولة جادة ليس لإعادة كتابتها، بل هي محاولة لتلبس الذات الكاتبة وسبر دواخلها، وأنه اختار تلك النصوص والكتابة عنها بدافع المحبة، وأن هذه القراءات الأدبية، أياً كان تصنيفها تعد بالنسبة له بمثابة قراءات جوالٍ، وكتابة رحالٍ، عنده الحياة فضاءات مختلفة، يذرعها عرضاً وطولاً بحثاً عن ضالة معرفية، لطالما كان وصفها عسيراً، لكن متى تراءت للعين المجردة، سهل التمكن منها، والتمتع بحكمتها.

ويتناول الكتاب روايتين للكاتب حمد جابر الحمادي، وهما:«ريتاج»، و«لأجل غيث»، حيث إن هذين العملين هما من أهم مؤلفات الحمادي، وفيهما قدم الكثير من الجهد والبذل الإبداعي الكبير، ويشير الكتاب إلى أن الروايتين قد ارتقتا إلى مستوى من الإتقان الفني ومن الانضباط يصعب على القارئ إنكارها أو القفز على الاعتراف جهراً بجودتهما، حيث إن العملين توفر فيها جانب التشويق والإتقان، وهو أمر يحسب لصالح الكاتب، ويلفت المؤلف إلى أن الكاتب الحمادي يكره الفوضى ويميل إلى الانضباط والتنظيم، موضحاً أن التأمل في أحداث الروايتين بعد الانتهاء من القراءة، يأخذ وقتاً طويلاً، حيث إن طبيعة الأحداث تضع العملين في دائرة حساسة للغاية، وبسبب الطبيعة العصية لهذه الدائرة، يخفق الكثير من الاقتراب إلى دقائقها وتفاصيلها، إلا قلة من الكتاب الجريئين.

عقلنة الأشياء

وفي معرض تناوله لرواية «ص.ب:1003»، للكاتب سلطان العميمي، فإنه بدءاً يدخل في أجواء الرواية ويقدم تلخيصاً مميزاً لها، ليتوصل إلى أن حبكة العمل هي البطل الحقيقي للرواية، وأن العميمي قام بأنسنة الأشياء في الرواية وعقلنتها وجعلها ناطقة، لتصبح شاهد عيان على ما سوف يقع من أحداث، ويلفت المؤلف إلى أن ميدان الأحداث في العمل، بدأ كما لو كان ضيقاً على البناء الدرامي الروائي، فهو قد جرى في أماكن بعينها، متسائلاً: هل أراد المكان بضيقه أن يكون أشبه بصندوق البريد؟ موضحاً أن الرواية تؤكد مهارة العميمي وطاقته الإبداعية.

ويعرّج الكتاب على عوالم الأديب عمر عبد العزيز، من خلال روايته «الحمودي... مهاجراً على درب الأنين والحنين»، موضحاً أنها لم تنل حظها من النقد الأدبي منذ صدورها، وأنها تتمتع بصفاء لغوي دافئ، مملوء بالإيحاءات والإحالات، الأمر الذي يضعها من بين ألمع الأعمال السردية التي صدرت للكاتب نفسه، بما فيها من رؤية تستشرف المستقبل وتتنبأ بمآل الحال.

ثم يتناول الكتاب ضمن قسمه الأول، رواية الأديب ناصر جبران السويدي، وهي«سيح المهب»، ويغوص عميقاً في عوالم جبران، خاصة عندما يقول:«وأنت تقرأ عملاً روائياً لجبران، لا تدري أهو الحنين الإيجابي إلى الماضي، أم أنها الريح النذير التي إن جاءت لا تبقي ولا تذر؟ لكن مهما كانت الحالة، فإن ثمة زفرة قوية تكاد تميّز من شدتها التفاصيل والمتتاليات التي تحيل إلى اضطرابات وارتباكات غير عادية، تتسيد المشهد الذي اختاره جبران».

قامات رفيعة

أما القسم الثاني، وهو بعنوان«حضور الغائب... مقامات ومقالات»، ففيه يتجول المؤلف في الإبداع الجميل الذي قدمه أدباء وشعراء كبار وهم: حبيب الصايغ، وعبد الله المحيلان، وناصر جبران السويدي، حيث يقدم الكاتب إضاءات جديدة من زوايا مختلفة، وهذا القسم عبارة عن مقالات تتحدث عن أولئك الذين وصفهم بالقامات الأدبية الرفيعة، مشيراً إلى أن غيابهم المباغت قد زاد من ألق وحضور أعمالهم، حيث يقدم الكتاب إضاءة على بعض الجوانب الخاصة، من سيرهم الإبداعية خاصة تلك العوالم التي لم يتسنّ للبعض اكتشافها، لا سيما أن أغلب المقالات كانت قد نشرت في الملاحق الثقافية في الصحف المحلية في الإمارات، وبعض الصحف خارج الدولة.

ويشير الكاتب إلى أن حبيب الصايغ، وقلة معه، هم أول من كتب قصيدة النثر في الإمارات، حيث سار في طريق الحداثة، فكان صاحب انطلاقة شعرية متوثبة، فيما كان المبدع الكويتي عبد الله المحيلان، هو الفنان عاشق الكاميرا والمايكرفون والإخراج والكتابة الصحفية، وصاحب أرشيف ضخم، وبدفق شعوري محمل بالأسى، ويقول المؤلف عن ناصر جبران السويدي:«رحل ملتفاً بكبرياء الأسلاف».

https://tinyurl.com/26zav96t

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"