أغلقت دار الساقي للنشر أبوابها في لندن، وانتهت بذلك مرحلة ثقافية عربية تمثلها دار نشر بمفردها خارج الوطن العربي، منذ تأسيسها في العاصمة البريطانية عام 1979، على يد الكاتبة والفنانة اللبنانية مي غصوب (1952 2007).
تأسيس دار الساقي في لندن، هو جزء من التاريخ الثقافي؛ بل والسياسي العربي، وبخاصة في بيروت التي شهدت في السبعينات من القرن العشرين، ذروة واحدة من أبشع الحروب الأهلية في تاريخ المنطقة؛ أي في الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من دموية تلك الحرب وعنصريتها الطائفية والدينية والمذهبية، فإن الثقافة كانت دائماً تنجو من مستنقع الرماد اللبناني وتنأى عن أي اصطفاف سياسي، وتحاول (أي الثقافة) أن تستقل بمؤسساتها ونخبها ورموزها المتعدّدة الأطياف الفكرية، عن البشاعة الدموية في بلد صغير لا يليق به فعلاً إلا الفن والأدب والجمال.
غير أن مي غصوب، الكاتبة التي تحمل شفافية الفنانة وروحها الإنسانية، لم تنج من الحرب، وأصيبت ذات مرة بشظايا قنبلة فقدت إثرها إحدى عينيها، وكان ذلك في عام 1977؛ أي في إحدى «ذرى» الجنون اللبناني المسلّح آنذاك.
يبدو أن هذه المرأة الرقيقة التي أصيبت في الحرب قد رأت أن خلاصها الشخصي والثقافي ليس في بلادها، فانتقلت إلى لندن. وهناك في عام 1979 أسست دار الساقي التي سرعان ما أخذت شخصية ثقافية ونشرية اعتبارية، واستقطبت أسماء لها وزنها الأدبي والفكري والنقدي: محمود درويش، وأدونيس، وغازي القصيبي، والطاهر بن جلون، ومحمد أركون، جوردان توماس صاحب كتاب «جواسيس في الرمال»، وألبرتو مانغويل صاحب الخزانة المكتبية الجميلة حول الكتب والقراءة، وغير ذلك من عناوين أدبية وتاريخية وفكرية وجمالية، أوجدت لدار الساقي شخصية محترمة في سوق النشر وصناعة الكتاب؛ لا بل كان الكاتب العربي الذي يحظى بامتياز النشر في الساقي في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين مطمئناً إلى ذهاب كتابه إلى انتشار قرائي.
كانت الساقي حاضرة دائماً في معارض الكتب العربية، وكانت تنتج كتباً نوعية لمؤلفين عرب وأجانب نوعيين أيضاً؛ أي أن الدار كانت أشبه بمؤسسة ثقافية احتفائية بالثقافة العربية والمثقفين العرب، وليست مجرد جهة نشرية تقع في بلد أوروبي بعيد نوعاً ما عن عواصم الثقافة العربية؛ بل كانت كتب الساقي حاضرة في هذه العواصم، كما كانت الدار في الأفق العربي.
غياب دار الساقي هو غياب لجزء جميل ورائع من صناعة الكتاب العربي وتقاليد هذه الصناعة النبيلة، وأكثر من ذلك نحن في الحقيقة فقدنا مع الدار سكانها وأهلها.. أولئك الكتاب العرب الكبار الذين طواهم الغياب.