أقرأ في وقت واحد كتابين حول إدوارد سعيد، الأول قديم بعنوان «خارج المكان» وكتبه صاحب الاستشراق بالإنجليزية وهو في ذروة مرضه الذي نال من جسده، لكنه لم ينل من روحه وعاطفته المتوهّجة على الرغم من كارثية المرض، وسوف نلمس توهّج هذه العاطفة من خلال سرده لحياته في «خارج المكان» الذي هو كتاب اعترافات شجاعة بخاصة في ما يتعلق بالتربية الصارمة التي تلقاها على يد أبيه، وحتى أمه في الكثير من المواقف كانت تقترب من حدود القسوة مع إدوارد الذي كان فتى وحتى شاباً أغرقته عائلته في الموسيقى.
.. وهذا ما أردت قوله هنا، وبخاصة في ضوء قراءتي للكتاب الثاني حول هذا المقدسي المسيحي الذي زلزل الثقافة الغربية بأطروحاته الفكرية المبكّرة، وحتى مواقفه السياسية التي لم ترق للإدارات الغربية فقط، بل، ولم ترق للكثير من القيادات الفلسطينية النفعية «المترهلة» كما كان يرسمها ناجي العلي.
بعيداً عن مستنقع السياسة؛ فالكتاب الثاني هو «إدوارد سعيد- أماكن الفكر» لمؤلفه تيموثي برنن، ونقله إلى العربية محمد عصفور، وسوف أشير دائماً إلى أن هذا الكتاب صدر في الكويت عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب «مارس 2022».. المؤسسة العربية الكويتية الثقافية التي غذّت عقولنا بالفكر والآداب والمعرفة منذ 1978 وإلى اليوم بكتب عظيمة المحتوى والمضامين، ورمزية الأسعار.
مربط الفرس كما يقولون في الكتابين من وجهة نظر هذه القراءة على الأقل أن إدوارد سعيد موسيقيّ ضلَّ طريقه إلى الفكر والأدب والاستشراق، لا بل نعرف من السطور ومن فوقها ومن تحتها أنه كان شاعراً، ولكن يبدو أن طريق شعر سعيد كانت ليست أطول من عصا مايسترو الموسيقي، قصيرة وغامضة، والرجل في أثناء حياته الأولى اشتغل في أعمال عدة على الرغم من ثراء والده الذي كان يملك في القدس شركة عالمية لتجارة الأدوات القرطاسية، ومن بين الأعمال التي اشتغلها سعيد ابن الثريّ تقشير البطاطا في مطعم، ومنقذاً في حوض سباحة،.. وكل ذلك على ذمّة تيموثي برنن في روايته السيرية هذه في كتابه المذكور.
لم تخسر تجارة الأب، ولم تربح موسيقى الابن، وفي كل الأحوال ربحت الثقافة العربية والغربية أيضاً سعيد المثقف، النقدي أولاً وأخيراً، أمّا حلمه الموسيقي فقد ظل غائماً، غامضاً، فاهياً، وهو يكثر من وصف «الفاهي» أي الشاحب أو الباهت، ولكنه لم ينسَ أبداً من هو كموسيقيّ حتى عندما كان في العاشرة من عمره.. (.. تعرّفت إلى أوبرا «الخاتم» وأنا في حوالي العاشرة بواسطة أسطوانة شديدة الإلغاز من 87 دورة في الدقيقة).. والباقي داخل المكان.. وليس خارجه..
[email protected]