د. سالم الشويهي
في قصة نوح عليه السلام، أروع الدروس والعبر والعظات، فبعد أن نجَّى الله عبدَه ورسوله نوحاً ومَن آمن معه من المؤمنين كما قال تعالى: «فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ». أمر الله نوحاً، عليه السلام، ومن معه من المؤمنين بالهبوط من السفينة، قال تعالى: «قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ»، أي: اهبط سالماً مباركاً وتأمل في (مِن) التبعيضيةُ في قوله تعالى: «وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ»، فالبركة لا توهب للجميع إنما تخص المؤمنين.
وهبط نوح عليه السلام من السفينة ومعه المؤمنون، وأطلق سراح الحيوانات والطيور، لتبدأ دورة جديدة من الحياة على الأرض، بعد أن تطاولت الأيام، ومضت السنون العجاف التي قضاها مع قومه «أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا»، فقد كانت قاسية على النبي نوح، عليه السلام، وعلى من آمن معه وعادة ما تُذكر السنة للجدب والتعب والنصب، ويُذكر العام للخصب والنماء، فلم يشعر نوح بالراحة إلا في الأعوام الباقية من عمره بعد الطوفان. وظل عليه السلام بعد الطوفان يُعلم المؤمنين أمور دينهم، ويزكي نفوسهم بما أوحاه الله إليه ويكثر من طاعة الله حتى لقي ربه عز وجل فمفهوم «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» يكون مع المؤمن من المهد إلى اللحد، فنوح عليه السلام من أولي العزم من الرسل، ومن أصحاب الهمم العالية والأخلاق السامية، وهو المثل لمن بعده من الأنبياء والمرسلين.
حفظ الله لنوح عليه السلام ذكراه العطرة ودعوته المباركة في كل أمة من العالمين، قال تعالى: «وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ»، أي: أمان لنوح وسلامة له من أن يُذْكر بسوء في الآخِرين، بل تُثني عليه الأجيال من بعده تحية له وتعظيماً لمكانته، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يُذْكَرُ بِخَيْرٍ»،و«إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ»، أي: ليست خاصة بنوح عليه السلام، فكل محسن أخلص لله وراقب مولاه سوف يجازى بنفس الطريقة من الذكر الطيب، إجابة الدعاء وإقالة الكربة وانفراج الهم وحلول البركة.
المؤمن الحق مجاب الدعوة وله عند الله شأن، فكلماته صاعدة، ودعواته مستجابة، قال تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ». ويقول جل وعلا في الحديث القدسي عن أوليائه: «وَلئنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ».
ومن صفات نوح عليه السلام التي ذكرها المولى في كتابه: «إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا»، وَفِي الْأَثَرِ عَنِ السَّلَفِ: «أَنَّ نُوحاً، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَلِبَاسِهِ وَشَأْنِهِ كُلِّهِ، فَلِهَذَا سُمِّيَ عَبْداً شَكُوراً».
وهذه الصفة توجب رضا الرب تبارك وتعالى عن العبد، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأكُلَ الأَكْلَةَ، فَيَحمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا».
وفي ختام قصة نوح الطويلة، لنتأمل فيما يُروى أن نوحاً بعد هذا العمر الطويل المديد سُئل كيف وجدتَ الدنيا؟ قال: «وجدتها كبيتٍ له بابان، دخلتُ من أحدهما وخرجت من الآخر»، يشير إلى سرعة انقضاء العمر!
نُح عَلَى نَفْسِكَ يَا مِسْكِينُ إِنْ كُنْتَ تَنُوحُ
لَتَمُوتَنَّ وَلَوْ عُمِّرْتَ مَا عُمِّرَ نُوحُ
وفي هذا تذكير وتنبيه لهذه الأمة والتي أعمارها قصيرة كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ».
وأحسن من قال:
مرَّتْ سنونٌ بالوصال وبالهنا
فكأنَها مِنْ قِصْرِها أيَّامُ
فما دامت النهاية هي الموت، فيستوي إن طال عمرك أم قصر، فكل ما هو آتٍ قريب.. المهم ماذا فعلت؟
قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «خيركم مَن طال عُمُره وحَسُن عملُه».