أبعدوا «وول ستريت» عن منازلنا

22:08 مساء
قراءة 3 دقائق

روبرت رايخ*

إذا سألت الأمريكيين العاديين عن أكثر ما يغضبهم حالياً، فسيأتي الافتقار إلى السكن بأسعار معقولة في مقدمة إجاباتهم، فضلاً عن التراجع الاقتصادي الحاصل في عهد الرئيس بايدن، حسب قولهم.

ومن بين الأسباب المهمة، ولكن غير المفهومة، وراء الارتفاع الكبير في أسعار المساكن والإيجارات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وهو ما أدى إلى شعور الكثيرين بخاصة الشباب بالإحباط، هو سيطرة «وول ستريت» على شريحة متنامية من سوق الإسكان، إضافة إلى ندرة المعروض الذي لم يعد يلبي الطلب إلى حد كبير.

لم يعد الأمريكيون اليوم يتنافسون فقط مع أمريكيين آخرين لشراء المنازل، بل أصبحت عطاءاتهم تُقدم ضد مستثمري «وول ستريت» أنفسهم على اختلافهم، والذين يمثلون حصة كبيرة ومتزايدة من مبيعات السوق العقاري. ولذلك، بدأ الديمقراطيون في الكونغرس أخيراً، بإعطاء هذا الاتجاه الاهتمام الذي يستحقه.

لقد فتحت حقبة ما بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 شهية الشارع لسوق الإسكان، عندما كانت العديد من المنازل حبيسة الرهن العقاري. وكما تتذكرون، خلقت «وول ستريت» فقاعة تلك الأزمة من خلال التمويل المفرط، والمحفوف بالمخاطر، والذي كان في كثير من الأحيان في هيئة قروض عقارية لأشخاص غير قادرين على سدادها عندما يحين الموعد، ليجد أصحاب المنازل أنفسهم آنذاك مدينين لعقاراتهم بأكثر من قيمتها قبل 15 عاماً، بسبب الركود العميق، وفقدان الملايين من الأمريكيين وظائفهم.

بعد ذلك، تحولت «وول ستريت» إلى مفترس من جانبين، الأول حين تسببت بداية الأزمة، بفقاعة الإسكان التي انفجرت. والثاني شراء الكثير من المعروض المتبقي بأسعار بخسة، وبيعها، أو تأجيرها لاحقاً سعياً وراء أرباح كبيرة. ولا يزال الافتراس مستمراً. فالطلب المتزايد على الإسكان في أمريكا جعل من المنازل استثمارات رائعة، شريطة أن يكون لديك ما يكفي من الموارد لشرائها.

وفي النتيجة، أصبحت ملكية المساكن تشكل جزئياً، حجر الزاوية في ثروة الأجيال القادمة في الولايات المتحدة، وأصبح في المقابل جزء كبير من الحلم الأمريكي بعيداً عن متناول عدد كبير ومتزايد من الأمريكيين، وتحديداً الشباب منهم.

وفي جميع أنحاء أمريكا، قامت صناديق التحوط (في هيئة شركات، وشراكات، وصناديق استثمار عقاري تدير الأموال المجمعة من المستثمرين)، بشراء منازل بأسعار بخسة، مستهدفة في كثير من الأحيان الأحياء التي تضم أعداداً كبيرة من السكان السود واللاتينيين المهاجرين، وتحويل العقارات إلى سوق كبير للإيجار.

وعلى سبيل المثال، في أحد الأحياء شرق شارلوت، بولاية نورث كارولينا، اشترى المستثمرون المدعومون من «وول ستريت» نصف المنازل التي تم بيعها بين عامي 2021 و2022. وفي إحدى المناطق السكنية، بيعت جميع المنازل باستثناء واحد، «نقداً» إلى مستثمر قام بعد ذلك بتأجيرها خلال هذه السنوات.

وبحلول شهر مارس/ آذار الماضي، وفقاً لأحدث البيانات المتاحة، كانت صناديق التحوط تمثل 27% من كل مشتريات المساكن التي تقطنها أسرة واحدة، في الولايات المتحدة.

ومع ذلك، تكشفت بعض الأخبار الجيدة مؤخراً. حيث قدم الديمقراطيون مشروع قانون في مجلسَي النواب والشيوخ يمنع صناديق التحوط من شراء وامتلاك أي منازل لأسرة واحدة في الولايات المتحدة، على الإطلاق، كما يطلب منها بيع جميع المنازل التي تمتلكها من نفس الفئة على مدى 10 سنوات.

وخلال فترة الإلغاء التدريجي التي تستمر عقداً من الزمن، سيفرض مشروع القانون عقوبات ضريبية صارمة، مع تخصيص العائدات لمساعدة الدفعة الأولى للأفراد والعائلات الذين يتطلعون إلى شراء منازل من أصحاب الشركات.

وإذا تم التوقيع عليه ليصبح قانوناً، فمن المحتمل أن يؤدي هذا التشريع إلى زيادة المعروض من منازل الأسرة الواحدة المتاحة للمشترين الأفراد، وبالتالي جعل السكن في متناول الجميع وبأسعار معقولة.

ويسخر الكثير من الأمريكيين الذين أقابلهم هذه الأيام من الوضع الذي آلت إليه البلاد. وأنا أفهم سخريتهم.

ولكن التهكم من الممكن أن يتحول إلى نبوءة محققة ربما تعني التخلي عن النضال والكفاح للوصول إلى مجتمع أكثر عدالة. ومع ذلك، ليس لدي أدنى شك في أن مشروع القانون هذا سيصبح قانوناً نافذاً في القريب العاجل، وهو الذي يوفر، إلى جانب العديد من التشريعات الأخرى التي قدمها الديمقراطيون في الكونغرس، خارطة طريق تصور المسار الذي يمكن أن تتجه إليه البلاد، إذا ما أتيحت لها قيادات حكيمة وواعية.

لكن قادة الصناعة في البلاد، ومستثمري «وول ستريت»، لا يرغبون في شيء أفضل من أن نتخلى عن هذه المعركة، حتى يتمكنوا هم من خوضها وفق شروطهم. وعليه، أدعو الأمريكيين لمواصلة التحدي والتحفيز، والضغط من أجل إنفاذ مشروع القانون العقاري الجديد.

* أستاذ السياسة العامة بجامعة كاليفورنيا، بيركلي«أوراسيا ريفيو»

التقييمات
قم بإنشاء حسابك لتتمكن من تقييم المقالات
http://tinyurl.com/bdh8u6f5

عن الكاتب

أستاذ السياسة العامة في جامعة كاليفورنيا في بيركلي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

مقالات أخرى للكاتب