صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
سمير عطية الله
الرئيس التنفيذي لـ«ميرابو» الشرق الأوسط
أحدث مقالات سمير عطية الله
5 نوفمبر 2024
نقل الثروة وتخطيط التعاقب

سمير عطية الله*

أطلق مركز دبي المالي العالمي في فبراير برنامج «استدامة نجاح الشركات العائلية» بالتعاون مع «كلية سلون للإدارة» التابعة ل«معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» (MIT Sloan Executive Education)، بهدف توفير التعليم الأكاديمي العالي للشركات العائلية، ودعم استمرارية نجاحها عبر الأجيال. ويأتي هذا التعاون عقب سلسلة مبادرات وتشريعات إقليمية أخرى تهدف إلى تعزيز التعاقب السلس للثروة. كما أطلق مركز دبي المالي العالمي «مركز الثروات العائلية» وأصدر في أوائل عام 2023 لائحة تنظيم شؤون العائلة تهدف إلى تعزيز رعاية الإرث الدائم للعائلات، وضمان استمراريتها عبر الأجيال المتعاقبة داخل الدولة وفي الخارج.
إن تحقيق التعاقب السلس للثروة بين الأجيال من الأهداف الاستراتيجية الشاملة في المنطقة. وقد كشف أحدث تقرير لمؤسسة «كيدبروك» لتحليل بيانات الثروات، أن أثرياء منطقة الشرق الأوسط سوف ينقلون ما مجموعه 3.67 تريليون درهم (تريليون دولار أمريكي) إلى الجيل التالي خلال العقد المقبل. وتشكل الثروات والشركات العائلية قوة حافزة للتطوير والنمو الاقتصادي في الشرق الأوسط، لذا تبرز أهمية تعزيز استمراريتها، وتحقيق نجاحها كركن حيوي للاقتصاد الإقليمي.
ومع ذلك، تواجه العديد من العائلات في الشرق الأوسط تحديات كبيرة في تحقيق الانتقال السلس للثروة من الجيل الأول إلى الجيل الثاني. وتتمثل معظم هذه التحديات في سلسلة من القضايا الاجتماعية والقانونية التي تؤثر في المرحلة الانتقالية في ظل تطور المعايير الاجتماعية وتقلبات الاقتصاد، ومتطلبات الامتثال للقوانين الشرعية وغير الشرعية، إضافة إلى القوانين الدولية المتعلقة بالوراثة والضرائب.
كما أن العلاقات العائلية الشخصية والمشاعر الحساسة لها تأثير كبير في عملية التعاقب. فهي عملية معقدة وتحمل العديد من التحديات.
وتُعد الحوكمة الواضحة عنصراً أساسياً في إدارة التعقيدات التي تنطوي عليها عملية التعاقب، حيث تساعد على تقليل مخاطر النزاعات القانونية. وفي هذا السياق، أطلق مركز دبي للشركات العائلية «نموذجاً إرشادياً لميثاق العائلة»، بهدف إرشاد العائلات في كيفية إنشاء أطر حوكمة قوية وإدارة الثروات العائلية. وتعمل هذه النماذج كوثائق تحدد قيم العائلة ورؤيتها والقواعد التي تنظم إدارة ممتلكاتها وأعمالها، ويمكن أن تتضمن إرشادات لاتخاذ القرارات وحل النزاعات وتحديد الأدوار والمسؤوليات.
كما تُعد مجالس العائلات أيضاً منصة فعّالة لتعزيز التعاون، حيث توفر فرصة منتظمة لأعضاء العائلة لمناقشة وحل قضايا الشركات أو الممتلكات العائلية.
وتضمن هذه الحوكمة أن يكون «بيت العائلة» منظماً وموجهاً نحو الاستدامة الطويلة الأجل، ما يُعد أمراً حيوياً في عملية نقل الثروة والمساهمة في تحقيق التعاقب السلس للممتلكات العائلية.
ووفقاً لتقرير الثروة العالمية لعام 2024 الصادر عن «كابجيميني»، حققت المكاتب العائلية معدل نمو بنسبة 200% خلال العقد الماضي، إذ يسعى شخص من كل شخصين (52%) من الأفراد ذوي الملاءة المالية الطائلة إلى إنشاء مكتب عائلي. وتُعد المكاتب العائلية بمثابة أدوات قوية للعائلات الثرية، حيث توفر منصة مركزية لإدارة الأموال العائلية بطريقة رسمية واحترافية، تشمل الاستثمارات والعقارات والسجلات والعمل الخيري ونقل الثروة، مع مراعاة الرؤى والقيم العائلية.
ويعد التخطيط المبكر للتعاقب ضرورة استراتيجية، إذ تُسهم الشركات العائلية بنسبة 60% من الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات. ومع ذلك، فإن 20% فقط من هذه الشركات تستمر حتى الجيل الثالث. وفي هذا الإطار، يرى فيليب ماركوفيسي، المؤلف المشارك لمبادئ الاقتصاد الدائري للشركات العائلية وإدارة الثروة، أن على العائلات تنفيذ خطط تعاقب مبكرة لضمان الاستقرار وطمأنة أصحاب المصلحة. ويعني ذلك أنه على الشركات العائلية أن تستند إلى الخبرة المتعمقة لمؤسسيها في توجيه وتنمية الأعمال وبناء العلاقات مع العملاء، على أن يتم وضع برنامج منسق لتطوير مهارات الأجيال الشابة وتدريبها على تولي الأدوار القيادية تدريجياً. يمتد تأثير رؤساء العائلات الحاليين بشكل متزايد إلى أبعد من مجرد تملّك الإرث العائلي، حيث يؤدون دور الأوصياء على رعاية المؤسسة العائلية وتوجيهها بمرونة نحو المستقبل، بما يتماشى مع رؤية العائلة وقيمها. ويجب عليهم أيضاً ضمان إعداد الجيل القادم ومدّه بالمهارات والمعتقدات والمعارف والتعليم اللازم لقيادة الأعمال العائلية نحو آفاق جديدة.
ويسهم الخبراء الاستشاريون في تنسيق وتسهيل التواصل بين أفراد العائلة ومساعدتهم على تخطيط الإرث. وأظهر أحد الاستطلاعات التي أجرتها مؤسسة «كابجيميني»، أن 65% من الأفراد ذوي الملاءة المالية العالية يواجهون تحيزات تؤثر في عملية صنع القرارات الاستثمارية، والتي تتأثر بتجارب وعوامل حياتية مختلفة مثل الزواج والطلاق والتقاعد. وعبّر 79% من الأفراد ذوي الملاءة المالية العالية عن رغبتهم في قبول الحصول على استشارات متخصصة لمساعدتهم على إدارة ومعالجة التحيز. وبالتالي، بإمكان المستشارين المحترفين الاعتماد على الأدوات المتطورة والمعرفة المتخصصة لمساعدة العملاء، بما في ذلك التمويل السلوكي وأدوات الذكاء الاصطناعي التي يرتكز القرار من خلالها على البيانات بدلاً من العاطفة أو التحيز. ويمكن للمستشارين المستقلين أيضاً اقتراح مجموعة من الخيارات وتوضيح تأثيرها، ما يساعد أعضاء العائلات الثرية على اتخاذ قرارات مستنيرة.
إن موجة الميراث التي يطلق عليها اسم «الانتقال العظيم للثروة» تمثل تحولاً ملحوظاً وفرصة فريدة للعائلات الثرية في الشرق الأوسط، ومع ذلك فهي تتطلب تخطيطاً دقيقاً وفهماً عميقاً للقضايا القانونية والمالية والثقافية التي تحيط بها. ومن خلال الاستفادة من دعم الحكومة والاستشارات المتخصصة التي يقدمها خبراء يتمتعون بالمعرفة المتعمقة في الممارسات العائلية والتعقيدات الإقليمية والخصوصيات الثقافية، يمكن للأفراد ذوي الملاءة المالية العالية تطوير استراتيجية راسخة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة للثروة العائلية وخلق إرث دائم للعائلة يمكنه توفير الأمن المالي والفرص للأجيال القادمة.
*الرئيس التنفيذي ل«ميرابو الشرق الأوسط»

25 يوليو 2024
تأمين مستقبل التقاعد

يُمثل التقاعد للأثرياء من أصحاب الأصول فرصة هائلة لتحقيق الحرية والطموحات الشخصية، حيث كشفت دراسة حديثة أجرتها شركة زيورخ للتأمين، أن 30% من المشاركين في الاستطلاع في الشرق الأوسط يطمحون إلى السفر حول العالم، و22% يسعون إلى متابعة شغف ما خلال التقاعد.

ومع ذلك، نعيش في عصرٍ مملوء بالتحديات، حيث يواجه العالم تقلبات اقتصادية ملحوظة، تتمثل في استمرار ارتفاع معدلات التضخم وزيادة التكاليف، فضلاً عن تزايد عدم الاستقرار الجيوسياسي، وتأثيرات التغيّر المناخي والتكنولوجيا الثورية، مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي، في الشركات، والاقتصادات، والمحافظ الاستثمارية حول العالم.

لذلك، تصبح إدارة الثروة بحكمة، وبطريقة مدروسة، ضرورة قصوى لضمان استدامتها وحمايتها من أجل تقاعدٍ آمنٍ، ومستقر.

ونظراً لزيادة متوسط العمر المتوقع، قد يمتدّ التقاعد لثلاثين عاماً، أو أكثر، ما يتطلب تخطيطاً دقيقاً للحفاظ على ثروتك، وقدرتك الشرائية على المدى الطويل.

ويُعدّ تحديد المبلغ الصحيح الذي يجب سحبه كدخل من رأسمالك، أحد العناصر الرئيسية لتحقيق ذلك. وتأتي «قاعدة الأربعة في المئة» بمثابة مبدأ توجيهي مستخدمٍ على نطاق واسع منذ نشر المستشار المالي، بيل بينجن، نتائج أبحاثه حول هذا الموضوع قبل 30 عاماً.

تنصّ هذه القاعدة على أنه يمكن للمتقاعدين سحب 4% من محفظتهم الاستثمارية في السنة الأولى من التقاعد، ثم تعديل هذا المبلغ سنوياً وفقاً للتضخم على مدار 30 عاماً، على الأقل.

قد يسعى المستثمرون المتقاعدون إلى سحب دخلٍ من الأرباح فقط، مع الحفاظ على رأسمالهم كما هو. ولكن، يُمكن اتباع نهج «العائد الكلي» الذي يجمع بين إيرادات توزيعات الأرباح، وأرباح رأس المال. وبسبب الكفاءة العالية للعديد من الأنظمة الضريبية المتعلقة بأرباح رأس المال، أصبح نهج العائد الكلي شائعاً كطريقة لتعظيم الدخل في التقاعد.

ولضمان استدامة دخلك، من المهم أن توفر ثروتك عائداً إيجابياً يحافظ على قيمته الحقيقية بعد احتساب التضخم والضرائب والرسوم. ويتمتع الأفراد ذوي الملاءة المالية العالية بإمكانية الوصول إلى مجموعة كاملة من الاستثمارات التي لا يمكن للآخرين الوصول إليها بسبب المتطلبات الاستثمارية العالية. وتشمل هذه الاستثمارات الأصول الحقيقية، مثل البنية التحتية، والعقارات، ومجالات مثل الأسهم الخاصة، والائتمان الخاص، والتي حققت تاريخياً عائدات أعلى من المتوسط.

تقليدياً، كانت النظرية المالية تنصح بتقليل مخاطر الاستثمار مع اقترابك من التقاعد. وغالباً ما كان يرادف ذلك وضع الأموال في السندات التي يُنظر إليها على أنها أقل تقلباً، ولكنها تحقق عوائد أقل. ومع ذلك، ومع امتداد عمر المستثمرين لفترة أطول من أي وقت مضى، أصبحت آفاق الاستثمار أطول. وهذا يفتح المجال لإدراج بعض الأسهم ذات النمو المرتفع ضمن محفظة ثروتك، والتي توفر إمكانات مغرية للموازنة بين المخاطر والعائد. والشرق الأوسط على وجه الخصوص، منطقة غنية بفرص الاستثمار ذات النمو المرتفع، والتي يمكن للمتقاعدين الأثرياء استكشافها.

وفي حن أن التنويع ممارسة شائعة على مستوى فئات الأصول، فإن توزيع الأصول عالمياً لتقليل تأثير المخاطر الجيوسياسية أمر ضروري. قد يكون معظم الناس الذين يعيشون في منطقة معيّنة معرّضين بشكل كبير لتلك المنطقة من خلال منازلهم، وأصولهم، لذلك من المهم توزيع ثروتك، والبحث عن استثمارات الملاذ الآمن في مناطق جغرافية أخرى مثل سندات الخزانة الأمريكية أو العقارات الأوروبية. ومع ذلك، من المهم ملاحظة أنّ اتجاه بعض الدول لفرض ضرائب متزايدة على مالكي العقارات غير المقيمين قد يُعيق الاستفادة من هذه الاستثمارات، بشكل كامل.

يُعرف الشرق الأوسط بكونه منطقة ذات ضرائب منخفضة، ما يجعله وجهة مثالية للمتقاعدين. ولكن بالنسبة للمغتربين العائدين إلى بلدانهم الأصلية للتقاعد، يُصبح الاستعانة بخبراء ضرائب مؤهلين ومرخصين ضرورة أساسية لضمان استفادة كاملة من ثروتهم، حيث يمكن لهؤلاء الخبراء مساعدة المتقاعدين على تحسين تخطيطهم الضريبي من خلال استخدام تخطيط ضريبي متعدد الاختصاصات، والاستفادة من الإعفاءات الضريبية، والاستفادة من أنظمة الضريبة المزدوجة وقواعد الإقامة والتوطّن.

تُصبح تكاليف الرعاية الصحية عاملاً مهما للغاية في مرحلة التقاعد، لا سيّما مع ازدياد الحاجة إلى الخدمات الطبية مع التقدم بالعمر. وتتمتع بعض دول الشرق الأوسط بأنظمة رعاية صحية متطورة، لكنها قد تكون مكلفة للغاية. لذلك، يُصبح الاستثمار في خطة تأمين صحي شامل، أو حساب توفير صحي خطوة ذكية لضمان تغطية النفقات الطبية المستقبلية، والحفاظ على ثروة المتقاعد.

وعند التفكير في الجيل القادم، يُعدّ تخطيط التركات عنصراً أساسياً لضمان انتقال الثروة بسلاسة إلى المستفيدين. ويتضمن ذلك خطوات، مثل كتابة وصية، وإنشاء صناديق ائتمانية، وتخطيط خلافة الأعمال العائلية، والتفكير في قوانين الميراث في بلد الإقامة، أو التوطّن. فالتوريث المنظّم للأصول هو أمر أساسي للحفاظ على ثروة المتقاعد، وضمان استفادة الجيل القادم منها.

ويتطلب الحفاظ على ثروة المتقاعد على المدى الطويل، فهماً عميقاً للتفاعل المعقد بين الأهداف الشخصية، والعوامل الخارجية، وعدم اليقين الاقتصادي العالمي. ويمكن لمصرفي خاص يتمتع بالخبرة التقنية المناسبة، إضافة إلى المعرفة الإقليمية، أن يلعب دوراً مهماً في مساعدة المتقاعد على تحقيق أهدافه. فمن خلال مراقبة استثمارات المتقاعد، وتعديل محفظته الاستثمارية استجابة لتقلبات السوق، يعيش المتقاعد تقاعداً هنيئاً، ويحقّق أهدافه، وينقل ثروته إلى المستفيدين الأغلى على قلبه.